فهرس الكتاب
ومنها خطب الزواج التي كان يلقيها أهل الخاطب في أهل الفتاة، يشيدون بمكانة أنفسهم، ويعرضون على أهل الفتاة رغبتهم في الإصهار إليهم، ويحددون المهر، ويذكرون من محامد العروس ما يكافئ مكانة المخطوب إليهم.
وكثيرًا ما كان أهل الفتاة يردون عليهم، مرحبين بهم، ومفتخرين بأقدارهم.
وإذا كان مجال هذا النوع ضيقًا، وكانت العواطف فيه هادئة، والأفكار التي يعرض لها الخطيب محدودة، استحسنوا أن يخطب فيه الخطيب قاعدًا لا قائمًا، وشعر كثير منهم بأنه شاق على النفس، ولذلك قال عمر بن الخطاب: ما يتصَعَّدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح3.
ومن أمثلة هذا النوع خطبة أبي طالب في زواج النبي بالسيدة خديجة، كقوله:"الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكّام على الناس في محلّنا الذي نحن فيه؛ ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح به، ولا يقاس به شيء إلا عَظُم عنده، وإنه وإن كان في المال قُلّ فإن المال بعدُ رزقٌ جارٍ، وله في خديجة رغبة، ولها فيه مثل تلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ".
4-وفد جماعة من قريش على سيف بن ذي يزن بعد انتصاره على الحبش وإجلائهم من اليمن فخطب عبد المطلب قائلًا:
"إن الله تعالى أيها الملك أحلك محلًا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته، وعزت جُرثومته، ونبل أصله، وبَسق فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت رأس العرب، وربيعها الذي به تُخصب، وملكها الذي به تَنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومَعْقِلها الذي إليه يلجأ العباد؛ سلفك خيرُ سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف؛ ولن يَهلك من أنت خلَفه."
نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته وسدنة بيته، أشْخَصنا إليك الذي أنهجك لكشفك، الكَرْب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفود المَرْزِئة.