فهرس الكتاب
2-وهذه الموضوعات الكثيرة ذوات معان واحدة مكرَّرة، وأحيانًا ذوات أسلوب واحد، تكرر على مسامع الناس فيملونها، وقد مضت على الخطباء فترة من الزمن- وما زالت لها بقية- كان الخطباء يحفظون فيها خطبهم، أو يلقونها من كتب مطبوعة، متمشية مع أسابيع كل شهر من كل عام، فلا تصرُّفَ ولا تجديد، ولا مراعاة لأحوال السامعين.
3-على أنها بموضوعاتها المتعددة، ومعانيها الموحدة متخلفة عن قافلة الزمن، مباينة للحياة الواقعية، ليست فيها جدَّة، وكثيرًا ما يشغل الناس حدث جلل أو طارئ، ويتشوقون إلى سماع كلمة الدين فيه، فإذا بهم يسمعون نغمات قديمة لا صلة لها بما يتوقُون إلى سماعه.
4-ومن نتائج ذلك كله أنها غير ملائمة لعقلية السامعين، وغير
مشوقة، فأسلوبها رث متكلف، ومعانيها، لا تشويق فيها؛ وإلقاؤها
باعث على التثاؤب والملال.
5-ويغلب على القائمين بها ضحولة المعارف، والجمود الكريه، والبعد الشاسع عن الإلقاء المشوق، والأسلوب الجذاب.
كيف ننهض بها؟
وإذا ما أردنا أن ننهض بالخطابة الدينية فعلينا أن نصلح هذه العيوب، بأن نجعل كل خطبة موحدة الموضوع، جديدة الأفكار والمعاني، مسايرة للحياة الواقعية، معروضة في معرض شائق رائق، وأن نجملها بألوان من التشبيه والمقابلة وغيرها بحيث لا نتكلف ولا نتعسف.
ثم ليعلم الخطباء الدينيون أنهم في مسلكهم قدوة للناس ومَثل، فيدين الناس بأقوالهم ووعظهم إن كانوا صالحين، ولا يهتدون بوعظهم إن كانوا غير صالحين، فالخطيب الذي يلقي خطبته كل أسبوع مرة، ثم لا يحبس نفسه على الفضيلة، يهدّم بيده مكانته، ويقدم بنفسه دعاية ضد التأثر بما يقول:
وذمّوا لنا الدنيا وهم يرضعونها…أفاويق حتى ما يَدُرُّ لنا ثَعْلُُ8