الصفحة 127 من 207

وفتح باب التوبة للخروج من تلك الورطة التي قد يقع فيها الإنسان عن غرّة.

{اجْتَنِبُوا} تباعدوا وكونوا بمنأى عنه أو على جانب منه، فهو أبلغ من قولك: لا تظنّوا، لأنه يقتضي ترك أسبابه والابتعاد عنها.

{كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ} أي ظنّ السوء بالناس، و {الظَّنِّ} : حدّ وسط بين العلم والشك أو الوهم، وهو ما يطرأ للنفس بسبب شبهة أو أمارة قوية أو ضعيفة. وإبهام الكثير وتنكيره ليحتاط في كل ظنّ ويتأمل من أي نوع، إذ إن بعض الظن واجب الاتباع: كالاجتهاد في الأحكام العملية، وحسن الظنّ بالله، وبعضه حرام: كالظنّ في الإلهيات والنبوات، أو عند مصادمة الدليل القاطع، أو ظن السوء بالمؤمنين، وبعضه مباح: كالظن في الأمور المعاشية.

والذي يميّز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها: أن كل ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأُنِست منه الأمانة في الظاهر فظنّ الفساد والخيانة به محرّم، بخلاف من اشتهر بين الناس بتعاطي الريب، وارتكاب المنهيّات، والمجاهرة بالخبائث.

{إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} أي ذنب مؤثم موجب للعقوبة عليه، وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهو تعليل مستأنف للأمر بالاجتناب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت