الصفحة 146 من 207

وفي هذه الأحوال وأمثالها؛ فإن الأخذ فيها بالظنّ أو غلبته لا حرج فيه بل مأمور به، وهو مما يدور في فلك الأحكام التكليفيّة الخمسة، لأن مصالح الدين والدنيا تتعطّل بدونه، والله تعالى يقول: {فاتّقوا الله ما استطعتم} التغابن /16/.

ولا يتوقف الأمر في الإسلام عند هذا الأفق الكريم الوضيء في تربية الضمائر والقلوب باجتثاث سوء الظنّ منها، بل إن هذا النص يقيم مبدأ في التعامل، وسياجًا حول حقوق الناس الذين يعيشون في مجتمعه النظيف، فلا يؤخذون بظنّة، ولا يحاكمون بريبة؛ ولا يصبح الظن أساسًا لمحاكمتهم، بل لا يصح أن يكون أساسًا للتحقيق معهم، ولا للتحقيق حولهم.

والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إذا ظننتم فلا تحقّقوا) [1] ..

ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء، مصونة حقوقهم وحرياتهم، محفوظة كرامتهم وحرماتهم، حتى يتبين بوضوح أنهم ارتكبوا ما يؤاخذون عليه، ولا يكفي الظن بهم لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم.

وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: (إياكم والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث) [2] .

(1) ـ رواه ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه كما في كشف الخفاء 1/ 111/.

(2) ـ رواه البخاريّ (5269) ومسلم (127/ 201) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت