فهرس الكتاب
وأساليبه، في أقلّ الألفاظ والكلمات، ويضرب له المثل بصورة بالغة التأثير والتقريع، بتصوير المغتاب ينال من عرض أخيه على أفظع وجه وأفحشه، وهي صورة لا تنحو منحى التقرير والإخبار، وإنما تشدّ النفس إليها بأسلوب التعجّب الاستنكاريّ، وتجعل ما هو غاية الاشمئزاز والكراهة يندفع إليه الإنسان بمحبّة، وإسناد الفعل إلى الجماعة (أحدكم) فيه إشعار أن أحدًا من الأحدين لا يحبّ ذلك، وأن المعتدى عليه أخ للمغتاب، ولا يكفي ذلك بل هو ميت.! ولا يأكل من لحمه فحسب، بل يأكل لحمه، مما يشير إلى النهم وشدّة العدوان والأذى، مما يوحي بغاية النفور من هذا الفعل الشنيع ..
كلّ هذه الإيحاءات في كلمات يسيرة ومشهد مثير: إنه مشهد الأخ .. يأكل لحم أخيه ميتًا .. ثم يبادر فيعلن عنهم: أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب ولم يرتضوه لأنفسهم ولا لإخوانهم.
وهذه الكلمات التي تنهى عن الغيبة هذا النهي المؤكّد الصارم، تدعونا إلى وقفة مناسبة نعرض فيها أهمّ ما يتّصل بها من الأحكام، ليكون ذلك عونًا للمؤمن على الحرص على دينه، وحفظ لسانه، والضنّ بحسناته، وتقوى الله تعالى، والكفّ عن أذى عباده.