الصفحة 163 من 207

وبعدما تحدّثت هذه الآيات عن أخلاق وأحوال لا تلتئم مع صفة الإيمان وبيّنت مقتضى الإيمان وآثاره، وربطت التخلّي عن تلك الأخلاق بوصف الإيمان والتقوى، ووضّحت من خلال ذلك صورة المؤمنين في مجتمعهم، الذي يقوم على الأخوّة في الله تعالى، ويربط بين قلوب أبنائه الودّ والصفاء، والحبّ والنصح، والتعاون على البرّ والتقوى، توجّهت بالخطاب إلى الناس عامّة بوصف الإنسانيّة، التي هي الرباط المشترك الذي يربط بين أبنائها، بعد رباط العبوديّة لله تعالى، الذي خلق الخلق جميعًا من ذكر وأنثى، وجّهت الخطاب للإنسانيّة كلّها لتقتلع منهم التفاخر بالقبائل والأنساب، والعصبيّة الجاهليّة للألوان والأجناس والأعراق، والاعتزاز بما لا يقدّم ولا يؤخّر من قيم الأرض وموازينها.

وكأن الآيات تشير بهذا التسلسل، إلى أن أمّة الإسلام إن لم تتحقّق بقيم الإيمان في مجتمعاتها وعلاقاتها الخاصّة، فلن تستطيع أن تنهض بأعباء الدعوة، وتنتشل أمم الأرض من جاهليّتها، وقيمها الأرضيّة الزائفة، وموازينها الهابطة فحقائق الإيمان وقيمه ليست دعاوى تدّعى، ولا رايات يتمسّح بها، ولا لافتات ترفع ويستظلّ بها في بعض المناسبات، وإنما هي حقائق راسخة في القلوب، وقيم تحكم علاقات الناس وروابطهم، ومنهج يقدّم للإنسانيّة صورة وضيئة مشرقة عما يريده الله تعالى لعباده من سعادة وهدى في هذه الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت