فهرس الكتاب
وبعدما جاء في الآيات السابقة من النداءات المتكررة للذين آمنوا، وأخذهم إلى ذلك الأفق السامي الوضيء من الآداب النفسية والاجتماعية؛ وإقامة تلك السياجات القوية من الضمانات حول كرامتهم وحريتهم وحرماتهم، وضمان هذا كله بما يثيره القرآن في أرواحهم من التطلع إلى الله وتقواه .. بعد ذلك كلّه يهتف القرآن بالإنسانية جميعها على اختلاف أجناسها وألوانها، ليردّها إلى أصل واحد، وإلى ميزان واحد، هو الذي تقوم به تلك الجماعة المختارة الصاعدة إلى ذلك الأفق السامق: {ياأيها الناس} .
يا أيها المختلفون أجناسًا وألوانًا، المتفرقون شعوبًا وقبائل! إنكم من أصل واحد، فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتخاصموا ولا تذهبوا بددًا، وإن الذي يناديكم هذا النداء هو الذي خلقكم من ذكر وأنثى، وهو يعلّمكم الغاية من جعلكم شعوبًا وقبائل؛ إنها ليست التناحر والخصام، وإنما هي التعارف والوئام.
فأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطباع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فتنوع لا يقتضي النزاع والشقاق بل يقتضي التعاون للنهوض بجميع التكاليف والوفاء بجميع الحاجات.
وليس للون والجنس واللغة والوطن وسائر هذه المعاني من حساب في ميزان الله، إنما هنالك ميزان واحد تتحدد به القيم، ويعرف به فضل الناس: هو ميزان التقوى، والعمل الصالح .. فالكريم حقًا هو الكريم عند الله.