فهرس الكتاب
وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة: راية الله لا راية الوطنية، ولا راية القومية، ولا راية البيت، ولا راية الجنس، فكلها رايات زائفة لا يعرفها الإسلام ولا يرتضيها لأبنائه، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب. ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - عن العصبية الجاهلية: (دعوها فإنها منتنة) .
وبعدما بيّن الله تعالى نشأة الإنسانيّة الواحدة، وألاّ تفاضل في ميزان الله بين الناس إلا بالتقوى، حاور أولئك الأعراب، الذين زعموا الإيمان وامتنّوا به على النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، دون أن يتحقّقوا بمقتضياته، أو يسلكوا سبيله، فقال تعالى: {قالت الأعراب آمنا، قل: لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم} ، ثم بيّن لهم على وجه الإجمال مقتضى الإيمان إذا كان صادقًا مخلصًا لله تعالى، وهو طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئًا، إن الله غفور رحيم (14) } ، ثمّ انتقل بعد هذا الإجمال إلى التفصيل؛ {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، أولئك هم الصادقون (15) } ، وقد ابتدأت الآية (بإنما) التي تفيد الحصر، لتكون ردًّا على كلّ من يدّعي الإيمان بلسانه، دون أن يتحقّق بمحتواه، أو يعمل بمقتضاه،