فهرس الكتاب
المبحث الرابع
أسباب النزول، وطرف من حكمتها ودلالاتها
إن مما يلفت النظر في هذه السورة كثرة ما ورد فيها من أسباب النزول، فهي على قلّة آياتها، فقد وردت تسعة أسباب لنزولها، وفي بعض هذه الأسباب ما يزيد عن ثلاثة أقوال مرويّة، وكلّها أسباب تشريعيّة وأخلاقيّة عميقة الجذور في كيان الفرد والجماعة، ممتدّة الآثار والنتائج، أفليس من دلالة ذلك أن القرآن كان يعيش مع الأمّة التي يبنيها ويربّيها لحظة فلحظة، وساعة فساعة، وأن هذه الأمّة كانت تصنع بهذا الوحي الإلهيّ، صنعًا ربّانيًّا، لتتأهّل لحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وريادة الأمم.
وإن من الحكمة في وقوع سبب النزول ومعرفته على وجه العموم، أنه يشرح شيئًا من دواعي التشريع وملابساته، حتى يتبيّن جمال الحكم الشرعيّ، ومطابقته لمصلحة المكلّفين، وكمال الرحمة الإلهيّة بالعباد، فتقوى الرغبة في امتثال الحكم الشرعيّ، وتنشرح النفوس لقبوله وإتيانه.
ولا يفوتنا ونحن نتحدّث عن أسباب النزول أن نسجّل هذه الملاحظات:
1 ـ أن قول المفسّرين: نزلت الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول بالمعنى الخاصّ، ويراد به تارة أن ما وقع داخل في معنى الآية، وأن مثله مما تتناوله الآية، وإن لم يكن هو السبب الخاصّ في نزولها، كما لو قيل: عني بهذه الآية كذا.