فهرس الكتاب
نعمه ليتوسّلوا بشكرها إلى زيادة كرامته، وتعرّف على عباده بأنواع التعريفات، وصرّف لهم الآيات، ونوّع لهم الدلالات، ودعاهم إلى محبّته من جميع الأبواب، ومدّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب، فأتمّ عليهم نعمه السابغة، وأقام عليهم حجّته البالغة، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة" [1] ."
وهذا هو الإيمان الذي لا يقف عند حدّ قناعة العقل، وإذعان الفكر، وترديد اللسان مع غفلة الجنان، وإنما تخالط بشاشته القلب، وتضيء في جنبات النفس، فتشرق بمراقبة الله في كلّ حال، وشهود الله تعالى عند كلّ حركة في هذا الكون أو سكون.
وقوّة الإيمان بهذه الأسماء والصفات تثمر للعبد ثمرات عظيمة من دوام العلم واليقين باطّلاع الحقّ سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه، وأنه سبحانه رقيب عليه ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطّلع على علانيته وسرّه، في كلّ وقت ولحظة، وكلّ نَفَس وطرفة .. وهذا كلّه من مشكاة قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في تعريف الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وقد نصّ هذا الحديث على مقامين للإحسان:
ـ المقام الأول: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد مع استحضار مشاهدة الله إياه، واطّلاعه عليه، وقربه منه، فيمنعه ذلك من الالتفات إلى غير الله تعالى وإرادته بالعمل.
(1) ـ من كلام الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، في كتابه:"مدارج السالكين"1/ 125/.