فهرس الكتاب
ـ المقام الثاني: مقام المراقبة، وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تبارك بقلبه، وهذا المقام يكون بتنوّر القلب بالإيمان، ونفاذ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيب كالعيان، وهذا المقام أعلى من المقام الأول وأجلّ
فالمحسن في عبادته يستحضر قرب الله تعالى، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، كما يوجب النصح في العبادة وبذل الجهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها، والحياء من الله تعالى على كلّ حال، كما يشهد معيّة الله تعالى له في كل شأن، قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .. (61) } يونس.
وقد روي أن عروة بن الزبير خطب إلى ابن عمر - رضي الله عنه - ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه، ثمّ لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال:"كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا" [1] .
ومن أعظم ثمرات المراقبة الباطنة، أن يحفظ الله تعالى للعبد حركاته الظاهرة"فمن راقب الله في سرّه، حفظه الله في سرّه وعلانيته".
ومن آثار الإيمان بأسماء الله تعالى صفاته، وقوّة تأثيرها في القلب ونفاذها أن تثمر فيه حقائق إيمانية موقظة، توقظه من سكرات الغفلة، وتنقذه من أودية الضياع، وتنقله مما هو فيه من حال إلى أحسن الأحوال وأحبها إلى الله تعالى، فمن هذه الثمرات:
(1) ـ"جامع العلوم والحكم"، ص/33/ باختصار وتصرّف.