الصفحة 63 من 207

وكل ذلك في جملة واحدة قصيرة، تلمس وتصور كل هذه الحقائق الأصيلة الكبيرة.

وفي هذا التعبير إيضاحٌ لوجه الأدب الذي يليق بالمؤمن مع الله ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إذ تخرجه الآية الكريمة من تصوّر ذهنيّ إلى صورة محسوسة، تكشف عن شناعة الخروج عن هذا الأدب، ومبلغ الإساءة فيه.

وكذلك تأدب المؤمنون مع ربهم ومع رسولهم - صلى الله عليه وسلم - فما عاد مقترح منهم يقترح على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ وما عاد واحد منهم يدلي برأي لم يطلب منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدلي به؛ وما عاد أحد منهم يدلي برأيه في أمر أو حكم، إلا أن يرجع قبل ذلك إلى قول الله وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

روى أحمد وأبو داود والترمذي عن معاذ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له حين بعثه إلى اليمن:"بم تحكم.؟"قال: بكتاب الله تعالى. قال - صلى الله عليه وسلم:"فإن لم تجد؟"قال: بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال - صلى الله عليه وسلم:"فإن لم تجد؟"قال: أجتهد رأيي، ولا آلو، أي لا أقصّر. فضرب في صدره، وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -."

فقد أخّر معاذ - رضي الله عنه - رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد البحث في الكتاب والسنّة، ولو قدّمه قبل البحث عنهما، وحاشاه من ذلك لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولقد بلغ الحرص بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غايته، في الأخذ بهذا الأصل والصدور عنه، في مواقف كثيرة عندما كان يسألهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأمر، وهم يعلمونه حق العلم، فيتحرجون أن يجيبوا إلا بقولهم:"الله ورسوله أعلم"، خشية أن يكون في قولهم تقدم بين يدي الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت