الصفحة 64 من 207

من ذلك ما جاء في حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل في حجة الوداع:"أي شهر هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال:"أليس ذا الحجة؟"قلنا بلى! قال:"أي بلد هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال:"أليس البلدة الحرام؟"قلنا: بلى! قال:"فأي يوم هذا؟"قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال"أليس يوم النحر؟"قلنا: بلى! الخ ..

وكم من أناس غرّتهم بوارق الوهم، فزعموا لأنفسهم كامل الفهم، فافتاتوا على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - يئوّلون بأهوائهم صريح ما نزّل الله ليجروه إلى مزاعمهم، ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، هؤلاء وأمثالهم يدخلون دخولًا أوليًا وأولويًا في الخطاب بهذه الآية الكريمة، فإنه إذا كان قد نهى المؤمنون عن التسرع في حكم قبل أن ينزل به الوحي، فما بالك بمن يعمد إلى وحي محكم فيحاول صرفه عن دلالته المتبادرة انسياقًا مع ما يظنّه مصلحة محكمة، ولو أنه تجرد عن هوىً مَلكه، لعقل من سرّ التشريع ما يوافق مصلحة البشر العامة، كما أرشد إليها العليم الحكيم.

والإتيان بلفظ الجلالة فيه من تعظيم مقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن تفظيع افتياتهم ما لا يخفى، فقد جعل التقديم بين يدي الله تعالى وبين يدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - سواء في الحكم، وهما كذلك في واقع الأمر.

ويشبه ما جاء في هذه الآية الكريمة ويؤكّده، ويقرّر هذا الأصل أتمّ تقرير قول الله: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت