فهرس الكتاب
محبطًا لأحسن الحسنات والأعمال.؟ فكما أن الحسنات يذهبن السيّئات، فإن السيّئات اللاحقة تذهب الحسنات السابقة وتحبطها وليس بالضرورة أنها تحبطها كلّها.
ولنا أن نذهب في فهم الآية منحىً آخر، لا يبعد عما سبق فنقول: إن قصد إيذاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كفر محبط للأعمال باتّفاق، لا يتأتّى إلا من كافر أو منافق نفاقًا أكبر، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) } الأحزاب، وهذا القصد وهو إيذاء النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أمر قلبيّ باطن، يخفى أمره على العباد، فأقيم الأمر الظاهر مقامه، وجاء النهي عما هو مظنّة لأذى النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، قطعًا للذريعة، وحسمًا للمادّة، وتعظيمًا لحرمة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وردعًا لضعاف النفوس أن ينزلقوا مع المنافقين، الذين يؤذون النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيوردوا بذلك أنفسهم مورد التهلكة، ويتعرّضوا لمقت الله تعالى وغضبه، باقتحام حمى هذا الأمر الخطير.
ولقد عمل ذلك النداء الحبيب، وهذا التحذير المخيف عمله العميق الشديد في نفوس أولئك الصحب الكرام - رضي الله عنهم -، فارتعشت قلوبهم وارتجفت، وتأدبوا في حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأدب البالغ، كما رأينا في مواقفهم التي ذكر بعضها في أسباب نزول الآيات، مما يدلّ أبلغ الدلالة على سرعة استجابة أولئك الأخيار للنداء الربّانيّ، ودقّة التزامهم بالتوجيه القرآنيّ في كلّ مناسبة.