فهرس الكتاب
والذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اختبر الله قلوبهم وهيأها لتلقي تلك الهبة الإلهيّة العظيمة هبة التقوى .. فمن ثمّ فقد كان جزاؤهم أن كتب الله لهم بها المغفرة والأجر العظيم.
إنه الترغيب العميق، بعد التحذير المخيف، به يربي الله قلوب عباده المختارين، ويعدّها للأمر العظيم، الذي نهض به الصدر الأول على هدى من هذه التربية ونور.
ولقد بلغ أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مراتب رفيعة في الأدب معه وتعظيمه وتوقيره، حتى بهروا بذلك ألباب المشركين، فاستشعروا أنهم أمام أمّة متماسكة خلف قيادتها، التي تحبّها من قلبها، وتجلّها وتبجلّها بأعلى ما عرف الناس من أنواع التقدير والتبجيل، فهذا عروة بن مسعود الثقفيّ وفد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفاوضه في صلح الحديبية، وكان مشركًا، فرأى عجبًا من شدّة أدب الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - مع نبيّهم - صلى الله عليه وسلم -، فجعل يرمقهم بعينيه، ثمّ وصف ما رأى من مشهد، فقال:"والله ما تنخّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، ولا تسقط من شعره - صلى الله عليه وسلم - شيء إلا أخذوه، وإذا أمرهم - صلى الله عليه وسلم - ابتدروا أمره، وإذا توضّأ - صلى الله عليه وسلم - كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية: وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له".
وعندما رجع إلى أصحابه قال لهم:"أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك، وفدت على قيصر في ملكه، ووفدت على كسرى في"