فهرس الكتاب
قدره عند ربّه وبيّن لهم ما يجب عليهم، وما كان أجدر بهم وأفضل لهم، وهو الصبر والانتظار حتى يخرج إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحبّب إليهم التوبة والإنابة، ورغّبهم في المغفرة والرحمة.
وقد وعى المسلمون هذا الأدب الرفيع، وتجاوزوا به شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى كل أستاذ وعالم، يفترشون أمام بيته في الحرّ والقرّ، فلا يطرقون عليه بابه حتى يخرج إليهم؛ ولا يزعجونه في وقت راحته، بدءًا من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -، إلى العهود الزاهرة في تلقّي العلم عن العلماء، والرحلة في طلبه، والاجتهاد في تحصيله.
"ومن هذا الأدب وأمثاله يقتطف ثمر الألباب، وتقتبس محاسن الآداب، كما يحكى عن أبي عبيد العالم الزاهد الثقة الراوية، أنه قال:"ما دققت بابًا على عالم قط حتى يخرج في وقت خروجه" [1] ."
ونلمس في هذه الآيات سموّ المنهج القرآني في التربية والتهذيب، فقد جمعت الآيتان الأخيرتان بين التوبيخ لأولئك الذين أساءوا الأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبين الإرشاد والتلطّف، ولكنها لم تعمّم الحكم عليهم؛ إما تلطّفًا بهم، لأنهم أعراب لم يسبق لهم التعليم والتأديب، وإما أنهم لم يسيئوا الأدب كلّهم، فأرشدت إلى المنهج الذي ينبغي أن يتّبع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو الصبر حتى يخرج إليهم بنفسه، وبيّنت عاقبة هذا الصبر، وهو الخير مطلقًا .. ثمّ ختمت ذلك التوبيخ، وما
(1) ـ الكشّاف 3/ 559/.