إلا لها ما يحقق مطالبها على أحسن وجه وأتقنه.
وما من نزعة إلى رفاهية وترف واستمتاعٍ بجمال إلا لها في الكون ما يُلبّي رغبتها، سواءً للسائلين.
وما من داء إلا له دواء، وما من قوة إلا لها ضد مكافئ، ما لم يكن للقضاء والقدر في الحكمة العامة مرادٌ ما.
إلى غير ذلك من أمور كثيرة لا تحصى. وكل هذا من العناية، والعناية لا تكون إلا صفة لذي علم وحكمة ورحمة، وهذه صفات عليم حكيم رحيم، وهو الله عز وجل. (وهذا هو دليل العناية) .
والعناية تستلزم الإتقان في الصنع، فكل مشمولٍ بالعناية مصحوب بالإتقان. ولكن قد يكون الإتقان وحده ظاهرة لا تقترن بالعناية، حين لا يكون ذو حاجة إلى العناية موجودًا. فالكون المادي كله متقن، ولو كان في معزل عن مخلوقٍ حيٍّ يحتاج إلى العناية.
البرهان الرابع: يثبت برهان العقل أنه لا يوجد شيء في هذا الكون هو واجب الوجود لذاته، بل كلُّ ما فيه هو من الأمور الممكنة، التي لا يرى العقل مانعًا من أن تكون على صورة أخرى غير الصورة التي هو عليها.
وكل أمرٍ ممكن عقلًا فالأصل أنه كان معدومًا، ولم يوجد في الواقع إلا بمرجح رجّح وجوده ضد الإمكانات الأخرى.
ولا بد أن يكون هذا المرجح لأوائل الممكنات وجودًا واجب الوجود لذاته، وهذا لا يكون من الكون، لأن الكون كله وكل ما فيه أمور ممكنة غير واجبة الوجود عقلًا. (وهذا هو دليل الإمكان في الكون) .
البرهان الخامس: الإنسان أكمل حادث موجود في هذا الكون، بحسب ما نلاحظ ونشاهد من موجودات.
والإنسان لم يخلق نفسه حتمًا، ولم يخلق أبواه، وأي شيء دونه لا يستطيع أن يخلقه، لأنه فاقد لكمالاته، وفاقد الشيء لا يعطيه.