الصفحة 50 من 87

للإرشاد الرباني الذي جاء في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة/122]

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: [أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين، وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم، فالنافرون أهل الجهاد والقاعدون أهل التفقه، والدين إنما يتم بالجهاد والعلم، فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد، وطائفة بالتفقه في الدين، ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها] (بدائع الفوائد: 4/ 995) .

وقال العلامة الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: [وإذ قد كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلهم لأن يكونوا غزاة أو جُندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه وتكثير أتباعه، والآخَرُ يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والسَّاسَة وأولي الرأي المهْتمين بتدبير ذلك السلطان] (التحرير والتنوير: 6/ 404) .

وحينما يكون الجهاد فرض عين -كما هو اليوم- يجب أن تكون من أولى مهام أولي العلم، تحريض المسلمين عليه، واستنفارهم إليه، وتأييدهم للمجاهدين، وحض المسلمين على إعانتهم والدعاء لهم ونشر محاسنهم، ورفع همم المنكسرين، وتثبيط عزائم الكافرين، وبيان خبثهم ومكرهم، وفضح دسائسهم، والتحذير من كيدهم، حتى تكون حلقة الجهاد والعلم متصلة، وجهودهما متكاملة، وهذه هي علاقة العلم بالجهاد، وليس كما يريد البعض ويدندن -جهلا أو عمدًا - من إحداث فجوة لا يمكن معها التواصل بينهما، بل وتصوير المجاهدين على أنهم أعداء العلم والعلماء، وأن صفوفهم خالية منهم، وتجمعاتهم بعيدة عنهم، كما تحاول أن ترسمه"وثيقة الترشيد"، ولا يجب على المجاهدين كلما استفتوا عالمًا وراسلوه أو واصلوه أن ينشروا اسمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت