الصفحة 15 من 87

وبعد ذكر هذه المقدمات التي ينبغي استحضارها أثناء قراءة هذه التعليقات والتعقيبات، ننتقل إلى أمر آخر وهو أهم وأخطر -فيما نرى- من كل ما سبق ألا وهو بيان دوافع كتابة هذه الوثيقة، أو بالأصح أهداف إخراج هذه الوثيقة، وهو ما ينبغي أن ينظر إليه بعناية تامة واهتمام بالغ ولا يكون المرء حين استقبالها وتقليب صفحاتها غافلًا عنها أو مغفلًا يُستدرج من خلالها إلى لعق سمها والتأثر بوبائها وهو لا يشعر، فالمؤمن كيسٌ فطن.

الهدف الأول: محاصرة المجاهدين علميًا وفصلهم فصلًا تامًا عن فهم وتأصيلات وآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم، بدعوى أن ما كتبه السلف قد كان لزمان غير زماننا كما نصت الوثيقة على ذلك، وهذا من أخطر ما فيها، مع قصر العبارة التي تدل على هذا المعنى وغموضه فيها، فبعدما شاع مصطلح"السلفية الجهادية"وتداولته أقلام الكتاب من الإسلاميين وغيرهم، والذي يعني بشقيه البناء على أصول السلف والاعتماد على استدلالاتهم والتشبث بفهومهم مع الاستمساك قولًا وعملًا بعبادة الجهاد والقتال للكفار من المرتدين واليهود والنصارى، وبعدما صار هذا المعنى يترسخ شيئا فشيئا في قلوب المسلمين كما ألفوا مصطلحه"السلفية الجهادية"أرادت هذه الوثيقة الفصل بين الجزئين، ووضع حاجز وهمي مختلق بين العصرين، بدعوى أنه"قد كتب علماء السلف كتبهم لزمان غير زماننا، كان للمسلمين فيه دار إسلام وخلافة وخليفة، وتميز بين الصفوف وبين الناس بعضهم بعضا، المسلمون في دار الإسلام والكفار في دار الحرب، وفي دار الإسلام يتميز الذمي عن المسلم في المظهر، كل هذا لا وجود له الآن واختلط الناس، وهذا من الواقع المتغير المختلف الذي يوجب الاحتياط عند الاطلاع على كتب السلف وعند الحكم على الناس".

ولا شك أن هذا الكلام فيه كثيرٌ من الحق وأن الواقع الذي نعيشه اليوم هو مخالفٌ لما كانوا عليه من الاستقلال والاعتزاز بالدين والانفراد بالدار والتمكن فيها، والمجاهدون بل وكل المسلمين إنما يسعون للرجوع إلى تلك الحال التي كان عليها الأولون والخروج من حالة الشذوذ والاستثناء التي يعيشونها اليوم، إلا أن كلام السلف الذي تريد الوثيقة أن تجعله لزمان غير زماننا، ليس كله كذلك، وليس هو فتاوى جزئية متعلقة بوقائع وأحداث خاصة بزمانهم فحسب، بل إنهم قرروا أحكامًا شرعية مطلقة، وذكروا مسائل شرعية عامة لا تتعلق بزمان ولا مكان، وما كان خاصًا بزمانهم ومرتبطا بظروفهم فهو في الجملة بيِّنٌ ظاهر لا يكاد يخفى على أحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت