إن التطور الحديث في العمل التبشيري يدين بالفضل إلى عصر النهضة وعصر الإصلاح الديني سواء على نحو مباشر أو غير مباشر فقد هيأ الاثنان الجو الصالح لتحديث العمل التبشيري وعلى أية حال فهناك عامل ثالث كان له دور هام في الوصول بالعمل التبشيري إلى ما هو عليه اليوم ألا وهو التوسع الأوربي. وإذا كانت حركة الإصلاح تعتبر العامل الرئيسي في تنشيط العمل التبشيري فان التوسع الأوربي يجب أن يعتبر العامل الذي أكسب العمل التبشيري طابعًا عالميا. فحركة الإصلاح عالجت المحتوى الديني للعمل التبشيري في حين حمل التوسع الأوربي الرسالة إلى العالم. وفي الواقع أن الحاجة إلى اكتشاف ما كان يعرف يومئذ بالعالم المجهول للحصول على المواد الخام هي التي دفعت إلى التوسع الغربي وأدت إلى التعجيل به.
وفي نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر فتح عصر الاكتشافات الجغرافية العالم على مصراعية أمام الأوربيين وكان الهدف من وراء هذه الاكتشافات الرغبة في العثور على طرق بحرية جديدة أقل كلفة لنقل منتجات الشرق إلى الغرب وقد جرى البحث في اتجاهين: الطريق الشرقي عبر افريقيا والطريق الغربي عبر المحيط الأطلسي. وكانت نتائج هذه الرحلات هي اكتشاف أمريكا ثم تلا ذلك التوسع في الشرق وأمريكا. ولم يكن التوسع الغربي مجرد توسع للقوى أو النفوذ إذ إن أهم ما نتج عنه هو إنشاء الثقافة الغربية، والتوسع الغربي الذي كان من أهم الاحداث في تاريخنا الحديث والمعاصر وأبعدها أثرًا لا يدخل أيضًا في نطاق هذه الدراسة ولكنه مع ذلك يتصل بها إتصالًا مباشرا، ولهذا فسنركز عليه نظرًا للدور الهام الذي لعبه في العمل التبشيري اذ لولاه لما رأت الحركة التبشيرية التي نراها اليوم النور.
فقد كان التوسع الغربي هو العربة التي حملت رجال الكنيسة المسيحية وافكارها ورسالتها إلى جميع اطراف الأرض.