وعلى أية حال فان الحقيقة المؤكدة هي أن زيارة القديس بولس جاءت بعد اعتناقه للمسيحية، ولكننا لا نستطيع أن ننفي مع ذلك احتمال مشاركته في الأفكار التي يحملها عن السيد المسيح والمسيحية مع بعض أهالي ذلك الجزء من البلاد العربية، فهذا الاحتمال قوي ومقبول ويصعب انكاره. وهكذا فاننا نستطيع أن نقول إن القديس بولس لم يدخل المسيحية إلى البلاد العربية أو انه أتى على ذكر الجزيرة العربية ولكن من المؤكد أنه قد شارك سكان تلك المنطقة من الشام بعض المبادئ الاساسية للفكر المسيحي وبهذا يكون قد هيأهم لقدوم المسيحية فيما بعد.
دخول المسيحية إلى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام:
يمكن أن نعزو دخول المسيحية إلى الجزيرة العربية بعد القديس بولس وقبل الإسلام إلى مصدرين رئيسيين:
أ ـ المصدر الأول وهو الحركة النسطورية
التي دخلت إلى الجزيرة العربية عن طريق فارس.
ب ـ والمصدر الثاني أتى عن
طريق الأحباش الذين احتلوا جنوب الجزيرة العربية وحكموها قبل الإسلام.
النسطورية:
في الواقع أن بداية القرن الرابع يعد مرحلة حاسمة في تاريخ المسيحية فقد حصلت في الكنيسة انشقاقات مذهبية أدت إلى انقسام الكنيسة إلى شطرين تزعم اولهما سيرل Cyril في الاسكندرية. وتزعم ثانيهما نسطوريوس في سوريا، وكان محور الخلاف بينهما حول طبيعة السيد المسيح والعلاقة بين الطبيعة الالهية والطبيعة الإنسانية في شخصه. وقد أكدت مدرسة سيرل الاسكندري على الطبيعة الالهية الخالصة للسيد المسيح أي وحده الطبيعة الالهية الخالصة.
والمدرسة الثانية والتي كان يتزعمها نسطوريوس الانطاكي والتي هي موضوع بحثنا فقد كانت تعتقد أن الطبيعة الالهية والطبيعة الإنسانية للسيد المسيح كانتا تتمثلان في جانبين مختلفين وقد اعترض دعاة هذه المدرسة على تسمية مريم العذراء بوالدة الاله.