شك أن أجنة الأنعام تنزل عند الولادة من بطون أمهاتها إلى الأرض، فهذا معنى ظاهر جدا، ولم أجد من ذكره من المفسرين، ثم وجدت شيخ الإسلام ابن تيمية ذكر ما ذكرته فقال في مجموع الفتاوى (12/ 254) :"ولا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة؛ فإن الأنعام تنزل من بطون أمهاتها ومن أصلاب آبائها تأتي بطون أمهاتها"، وقال ابن القيم كما في مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة ص 442:"وأما قوله: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} ، فإن الأنعام تُخلق بالتوالد المستلزم إنزال الذكور الماء من أصلابها إلى أرحام الإناث، ولهذا يُقال: أنزل ولم يُنزل، ثم الأجنة تنزل من بطون الأمهات إلى وجه الأرض، ومن المعلوم أن الأنعام تعلو فحولها إناثها بالوطء، وينزل ماء الفحل من علو إلى رحم الأنثى، وتلقي ولدها عند الولادة من علو إلى أسفل"والحمد لله على توفيقه.
5 -قوله تعالى: {ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} أي ومن يتق الله بترك الكبائر يكفر الله عنه الصغائر كما قال سبحانه: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} ، فهذا المعنى ظاهر وموافق للآية الأخرى، ومع هذا لم أجد من صرح به، ومن من فسرها بغير هذا لم يبين ما هي السيئات التي تكفَّر، فيبقى في الآية إشكال لا يزول إلا بما فسرتها به، والله أعلم بكتابه.
6 -... {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} أي آنية للطعام وأكواب للشراب، وفي سورة الزخرف قال: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} أي من ذهب، فما في سورة الإنسان بيان لجزاء الأبرار أصحاب اليمين، وما في سورة الزخرف بيان لجزاء المقربين السابقين، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما» ، وفي تفسير الطبري (22/ 238) عن أبي موسى في قوله: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} قال:"جنتان من ذهب للمقربين أو قال: للسابقين، وجنتان من ورِق - أي فضة - لأصحاب اليمين"، وأيضا ذكر الله في سورة الإنسان {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} ، وفي سورة الحج {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} ، فالذين يلبسون الذهب هم المقربون، والذين يلبسون الفضة هم أصحاب اليمين، قال سبحانه في سورة الواقعة: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا