فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 14

وإني لأعجب أشد العجب ممن يمنع التجديد في التفسير، ولكن لا غرابة في ذلك فقد زعم قوم إغلاق باب الاجتهاد في الفقه لمن هو أهل للاجتهاد، ومنع قوم من التصحيح والتضعيف في الأحاديث ولو كان المتكلم فيها من أهل الحديث، والغالب أن المانعين للتجديد في التفسير ليسوا من أهل التخصص في التفسير، وإلا فكيف يمنع من التجديد في التفسير من يطالع كتب التفسير وهي مليئة جدا بالتجديد في المعاني وفي الأسلوب، وليست مجرد نقل محض.

بل إن الممارس للتفسير قراءة وتدريسا يجد الكثير من المعاني والفوائد والاستنباطات التي لم يجدها في كتب التفسير، وهذا من بركة القرآن ومن فضل الرحمن الذي علم القرآن {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} .

قال ابن عبد الهادي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وكتب على تفسير القرآن العظيم جملة كبيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعانٍ لطيفة، وأوضح مواضع كثيرة أشكلت على خلق من المفسّرين".

والقرآن المجيد أعظم من أن يحيط بجميع معانيه عالم أو علماء زمن معين، ومن عظمته أنه لا تنقضي عجائبه، نعم السلف الصالح أعلم ممن جاء بعدهم بالتفسير، لكن هذا من حيث الجملة، ولا يمنع ذلك أن يأتي أحد بعدهم بمعنى صحيح لم يُنقل عنهم، كما أنهم أفقه ممن بعدهم من حيث الجملة، ولا يمنع ذلك أن يأتي بعض الفقهاء المتأخرين فيحرر بعض المسائل الفقهية أحسن منهم، وكذلك أهل الحديث المتقدمين أعلم من المحدثين المتأخرين ولا يمنع ذلك أن بعض الأحاديث تكلم فيها بعض المتأخرين بما لم يتكلم فيها المتقدمون تصحيحا أو تضعيفا، وكل هذا مع التقيد بأصول كل علم، والأهلية لمن يتكلم في ذلك العلم.

هذا وليُعلم أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم هم أعلم الناس بالتفسير من حيث الجملة، ولكن الذين نُقل عنهم التفسير منهم قلة قليلة جدا كالخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير وأنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر بن عبد الله وعائشة رضي الله عنهم، وأكثر الصحابة لم يُنقل عنهم التفسير مع كونهم كانوا يتدبرون القرآن ويعلمونه رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت