ثم هؤلاء المشهورون بالتفسير من الصحابة لم يُرو عنهم جميع علمهم في الآيات، وأكثر من روي عنه منهم ابن عباس، ولم يُنقل عنه تفسير كل آية في القرآن، فما نُقل عنه أقل بكثير مما تكلم به في التفسير، وهو لم يتكلم بكل ما يعلمه، كيف والمفسر قد يفسر الآية ثم يجد لها معنى آخر؛ ولذا يروى عنه وعن غيره أكثر من قول في بعض الآيات، فالقرآن حمّال أوجه ولا تنقضي عجائبه.
وهكذا المفسرون من التابعين لم يُدوَّن عنهم جميع ما تكلموا به في التفسير، ولم يُدون عن كل تابعي كل ما قاله في التفسير، بل هو لم يقل كل ما يعلمه في كل آية، وهذا أمر ظاهر لا يخفى على من تأمله.
فإذا أتى بعض العلماء المتأخرين بمعنى جديد في التفسير لم يُنقل عن السابقين لا يُقال: من تقدمك في هذا القول؟! وأيضا لا يدَّعى أنهم جميعا لم يعرفوا هذا التفسير، فمن أين لنا أن جميعهم - وكلهم كان يقرأ القرآن - لم يعرفوا هذا التفسير؟!! فهل تكلموا بكل ما يعلمونه؟! لا، وفي كثير من الروايات نجد أن المفسر لم يتكلم بتفسير الآية إلا بعد أن سئل عنها، وإن لم يسأل عنها لم يكن ليفسر الآية، فكيف يُظن أنهم نقلوا كل ما يعلمونه من التفسير؟!!
وهل دونت جميع أقوالهم في التفسير؟! لا، فهذا ابن عباس مثلا سأله تلميذه مجاهد بن جبر عن القرآن آية آية كما ثبت ذلك عنه ومع هذا لا نجد لابن عباس قولا مرويا في كثير من الآيات، ولا نجد حتى لتلميذه مجاهد قولا في بعض الآيات، وهذا ظاهر لكل من يقرأ في كتب التفسير المسندة كتفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وعبد الرزاق الصنعاني، وأجمعها الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي.
بل نجد أحيانا تفسير المتأخرين لبعض الآيات أفضل من تفسير من نُقل عنهم من السلف تفسيرها، مثل قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ... } الآيات، فالمروي عن السلف في تفسيرها ليس كما بسطه وبينه الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان، فقد تكلم في تفسيرها بما لا تجده في المرويات عن السلف رحمهم الله، مع اعتماده على أقوالهم لكنه حرر المعنى وأجاد وأفاد، وقريب منه ابن جُزي رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات، ولولا خشية الإطالة لنقلت كلامهم كله، لكن من شاء فليرجع إليه.