فهرس الكتاب
الفصل الخامس: ذكر مذاهب العلماء تجاه الإشكال الوارد في الحديث:
تباينت مذاهب العلماء تجاه الحديث المروي في سبب نزول الآية، ولهم فيه أربعة مذاهب، نجملها أولًا ثم نتكلم عليها بالتفصيل:
المذهب الأول: رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.
المذهب الثاني: رد الحديث وإنكاره مطلقًا.
المذهب الثالث: قبول الحديث، مع تأويله وصرفه عن ظاهره.
المذهب الرابع: قبول الحديث مطلقًا، وإعماله على ظاهره من دون تأويل.
وفيما يلي تفصيل هذه المذاهب:
المذهب الأول: رد الحديث وإنكاره، مع توجيهه على التسليم بثبوته.
وهذا مذهب جمع من المفسرين والمحدثين، وممن ذهب إليه: النحاس، وأبو بكر الباقلاني، وابن العربي، والقاضي عياض، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن كثير، والشوكاني، والطاهر ابن عاشور، والشنقيطي، والألباني.
حيث ذهب هؤلاء إلى تضعيف الحديث الوارد في سبب نزول الآية، والإجابة عنه على فرض ثبوته.
قال القاضي عياض: «اعلم ـ أكرمك الله ـ أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه؛ أما المأخذ الأول .... » ثم ذكر هذا المأخذ مبينًا فيه علل الحديث، وقد نقلتُ لك كلامه عند تخريجي للحديث.
ثم قال: «فأما من جهة المعنى؛ فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة على عصمته - صلى الله عليه وسلم - ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهة غير الله، وهو كفر، أو أن يَتَسَوَّرَ عليه الشيطان، ويشبِّهَ عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من القرآن ما ليس منه، حتى ينبهه جبريل عليه السلام، وذلك كله ممتنع في حقه - صلى الله عليه وسلم -، أو يقول ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من قِبَلِ نفسه عمدًا؛ وذلك كفر، أو سهوًا؛ وهو معصوم من هذا كله. وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته - صلى الله عليه وسلم - من جريان الكفر على قلبه أو لسانه، لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقوَّلَ على الله، لا عمدًا ولا سهوًا، ما لم يُنْزلْ عليه، وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة:44ـ46] ، وقال