الصفحة 31 من 51

لا يبطل الصوم، لما علم أن الاقتران اللفظي موجب للاقتران الحكمي. وفي هذا الوجه يحمل القيء على ما غلب صاحبه ولم يكن عن اختيار.

والثاني: أن القيء إن حمل على الاستقاءة وهو ما كان عن عمد من صاحبه، فقد اقترن بالحجامة، وعدم الإفطار بالحجامة منسوخ، فكذلك عدم الإفطار بالاستقاءة منسوخ مثله، لأن القران في الذكر يستلزم القران في الحكم، فنسخ أحد القرينين موجب لنسخ القرين الآخر.

ووجه نسخ عدم الإفطار بالحجامة أنه ثبت عن غير واحد من الصحابة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )وثبت من حديث ابن عباس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم ) )وفي لفظ: (( احتجم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم ) )، وكلا الحديثين رواهما البخاري [1] .

وحديث ابن عباس موافق للأصل، لأن الصائم إذا صام على الوجه الشرعي، فالأصل عدم بطلان صومه إلا بما ثبت بالدليل أنه مفسد للصوم، فحديثه مقتض عدم بطلان الصوم بالاحتجام وهو الأصل. وحديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )يقتضي الإفطار به، فكان هذا ناقلًا عن الأصل الذي هو عدم الإفطار، وإذا تعارض الدليل الموافق للبراءة الأصلية مع الدليل الناقل عنها ولم يعلم تاريخ ورودهما، كان الدليل الذي نقل المكلفين من براءة ذممهم عن التكليف إلى انشغالها به هو الناسخ للدليل المبقي على الأصل.

ذكر هذا الفرع الفقهي مع دليله ووجهي الاستدلال بالاقتران عليه شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فقد نقل الوجه الأول عن يحيى بن معين، وأما الوجه الثاني فمنه هو رحمه الله [2] .

وعدم إفطار الصائم بالقيء غير المتعمد مذهب كافة فقهاء الأمة إلا ما نقل من خلاف ضعيف ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: (( ونقل، ابن

(1) صحيح البخاري مع فتح الباري 4/ 205 - الصوم - باب الحجامة والقيء للصائم.

(2) انظر: مجموع الفتاوى 25/ 223 - 224. وانظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي 2/ 578 - 579.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت