فهرس الكتاب
المنذر أيضًا الإجماع على ترك القضاء على من ذرعه القيء ولم يتعمده إلا في إحدى الروايتين عن الحسن )) [1] . وحمل العلماء لفظ القيء الوارد في الأحاديث الدالة على عدم بطلان الصوم به على القيء غير المتعمد، لحديث أبي هريرة: (( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدًا فليقض ) ) [2] .
فحديث أبي هريرة مفسر للفظ القيء الوارد مجملًا في تلك الأحاديث، ولأدلة أخرى كثيرة تدل على عدم المؤاخذة بما ليس في قدرة المكلف. فدليل الاقتران هنا قوي.
وأما الاستقاءة عمدًا فمفطرة مطلقًا عند جماهير العلماء، ونقل عن بعضهم عدم الإفطار بها مطلقًا كابن عباس وابن مسعود وهو رواية عن الإمام مالك، ونقل عن الإمام أحمد أنها لا تفطر إلا بملء الفم ونقل عنه أنها لا تفطر إلا بملء نصف الفم.
وما ذكره شيخ الإسلام من نسخ حديث ابن عباس بحديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )مبني على أن الاحتجام مفسد للصوم، كما هو مذهب الإمام أحمد وإسحاق وداود والأوزاعي وعطاء وابن المبارك وعبدالرحمن بن مهدي وأبي ثور وبه قال من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو الوليد النيسابوري وابن حبان. وأما على القول بعدم الإفطار بالاحتجام، كما هو مذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وإليه مال البخاري في صحيحه، فقد جعل ابن حزم حديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )منسوخًا بما رواه بسنده عن أبي سعيد الخدري: (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص في الحجامة للصائم ) )وجعله ابن عبدالبر منسوخًا بحديث ابن عباس المذكور وفصل القول في ذلك، وبين أن احتجام النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد قوله: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )، وبعضهم علل النسخ بأن حديث ابن عباس رخصة
(1) فتح الباري 4/ 206.
(2) رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما. واللفظ للترمذي. سنن الترمذي - الصوم - باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا 3/ 89، وسنن أبي داود - الصوم - باب الصائم يستقيء عامدًا. قال الترمذي فيه: (( حسن غريب ) )ثم نقل عن البخاري أنه غير محفوظ وقال بعده: (( لا يصح إسناده ) )ثم ذكر أن العمل عند أهل العلم عليه. وقال الدارقطني: (( رواته ثقات كلهم ) )وقال الحاكم: (( صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) )ووافقه الذهبي. سنن الدارقطني 2/ 184 والمستدرك 1/ 590.