فهرس الكتاب
بالاقتران.
والمشهور عند الحنفية وكذلك المالكية أن العمرة سنة. ونقل الكاساني عن الحنفية القول بوجوبها - والواجب عند الحنفية فوق السنة وأقل من الفرض -، فقال: (( قال أصحابنا: إنها واجبة كصدقة الفطر والأضحية والوتر، ومنهم من أطلق اسم السنة وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب ) ) [1] ، لكن المشهور عندهم أنها سنة، كما سبق. وقال الإمام مالك: (( العمرة سنة، ولا نعلم أحدًا من المسلمين أرخص في تركها ) ) [2] ، وظاهر هذا الكلام أنه يقول بوجوب العمرة، لكن أكثر المالكية أولوه على التطوع [3] ، فلم يقل هؤلاء الحنفية ومن معهم من المالكية بما يقتضيه دليل الاقتران في قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من وجوب العمرة، وقالوا: إنما تدل الآية على وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما وهو أمر متفق عليه [4] . وبذلك خالفت الحنفية مذهبهم في أصول الفقه من حجية دليل الاقتران فيما إذا كان العطف بين جملة ناقصة وأخرى تامة، كما هو الحال هنا، فإن قوله تعالى: (والعمرة) معطوف ناقص عندهم - والجمهور يسمونه عطف المفردات - وإذا كان المعطوف ناقصًا، فيجب عند الحنفية -بناء على ما في كتبهم المؤلفة في أصول الفقه - التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، حتى إنهم ليرون تقييد المعطوف بكل ما قيد به المعطوف عليه. لكن ابن الهمام ذكر أن تقرير قيود أحد المعطوفين في الآخر يكون بالقرائن وليس بحرف الواو. فقاعدتهم تقتضي القول بوجوب العمرة، لأن الحج واجب إجماعًا فيستلزم ذلك وجوب العمرة أيضًا تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه [5] ، والذي حكاه الكاساني عنهم من وجوب العمرة هو الموافق لقاعدتهم
(1) بدائع الصنائع 2/ 477. وانظر: مختصر اختلاف العلماء 2/ 98 والذخيرة 3/ 373 ونيل الأوطار 4/ 332 والمصادر السابقة.
(2) الموطأ 1/ 444.
(3) انظر: الاستذكار 11/ 241 والمفهم 3/ 462.
(4) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/ 118 ومصادرهم السابقة.
(5) انظر: ميزان الأصول ص415 وبذل النظر ص254 وكشف الأسرار لعبدالعزيز 2/ 480 والتحرير مع التيسير 2/ 71 والإحكام للآمدي 2/ 258.