الصفحة 39 من 51

على أن قاطع الطريق الساعي في ترويع المسلمين إذا قتل أحدًا من المسلمين فإنه يقتل، فكذلك إذا قام بأي نوع من أنواع الفساد في الأرض على سبيل الحرابة، فإنه يقتل، لأن الفساد قرين القتل في لفظ الآية، والاقتران اللفظي موجب للاقتران في الحكم.

ويقوي ذلك أن الله سبحانه قرن بين القتل وقطع الطريق وسلب الأموال والتخويف وغيرها من أنواع الفساد تحت مسمى محاربة الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - والسعي في الأرض فسادًا في قوله سبحانه: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [1] ، ونوَّع عقوباتها، وعطف بعضها على بعض مما دل على أن الفساد في الأرض وإن كان بغير القتل، فهو كالقتل في ترتب بالغ الضرر عليه، فيلحق به في العقوبة.

هذا فحوى ما ذكره الحافظ ابن عبدالبر والباجي في وجه الاستدلال بالآيتين المذكورتين على ما ذهب إليه الإمام مالك في هذه الآية، فقد قال ابن عبدالبر - في قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ: (( معناه: أو بغير فساد في الأرض، فدل على أن الفساد في الأرض وإن لم يكن قتلًا، فهو كالقتل. والفساد المجتمع عليه هنا، قطع الطريق وسلب المسلمين وإخافة سبيلهم ) ) [2] .

وقال أبو الوليد الباجي - وهو الذي ذكر هذا الفرع الفقهي تخريجًا على دليل الاقتران عند الإمام مالك: (( وروى ابن المواز عن مالك الاستدلال به - يعني الاقتران - في قوله: (( وجعل الله سبحانه الفساد قرين القتل في قوله تعالى: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ وقرنهما في المحاربة فأباح دمه بالفساد، فللإمام أن يقتل المحارب وإن لم يقتل. وهذا استدلال بالقرائن ) ) [3] ، ويعني الباجي بالقرائن، دليل الاقتران.

ومن باب الفائدة أذكر فيما يأتي كيفية تطبيق هذه العقوبات في المحاربين عند مالك وغيره من العلماء:

(1) المائدة / 33.

(2) الاستذكار 24/ 205، وانظر: تفسير ابن كثير ص609.

(3) إحكام الفصول ص675. وانظر: أحكام القرآن لابن العربي 2/ 596، وإكمال المعلم للقاضي عياض 5/ 462، والمفهم 5/ 18، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6/ 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت