إن مما ينبغي أن يُعرف: أن قضية العقوبات الجنسية عند الغربيين قضية صراع نفسي بين انفلات إنسان أوروبا الحديث من جهة، وبين تعسُّف نظام الكنيسة التاريخي من جهة أخرى، فبقدر إفراط الكنيسة القديمة في التحريمات والعقوبات، كان في المقابل تفريط المشرِّع الحديث في الإباحيات والتأديبات، فهو صراع أوروبي بالدرجة الأولى، لا يعرفه المسلمون عبر تاريخهم الطويل؛ لأنهم إنما يستمدون شرعتهم من المصدر المعصوم، الذي لا يجري عليه الخطأ، فما أمرهم بشيء، أو نهاهم عنه إلا وفيه بالضرورة مصلحة عاجلة أو آجلة.
وعلى الرغم من تفريط القوانين الحديثة في الأخذ بالشريعة في غالب الدول الإسلامية فقد بقي للجانب الروحي عند المسلمين دوره في كفِّهم عن كثير من الموبقات والانحرافات الأخلاقية والسلوكية؛ ففي الوقت الذي تشير فيه التقارير العالمية إلى أفريقيا باعتبارها تحتل المرتبة الثانية في انتشار مرض الإيدز: تأتي الدول العربية في شمال أفريقيا ضمن أقل الدول انتشارًا لهذا المرض مقارنة بباقي دول أفريقيا في الجملة، وليس هذا إلا بفضل الدين الإسلامي، الذي يحرم الفواحش والانحرافات الجنسية، فلو تعاضد القانون مع هذه الوجهة الروحية الإسلامية لكان الأثر على سلوك الناس أبلغ وأفضل.
إن نظام الحدود في الشريعة الإسلامية يعتبر كل اتصال جنسي - أيًا كانت صفته أو مبرراته - خارج نطاق الزواج الصحيح، أو ملك اليمين: جريمة من أعظم الجرائم، يستحق صاحبها العقوبة المقررة في حقه بغض النظر عن كونه ذكرًا أو أنثى، حرًا أو مملوكًا، متزوجًا أو عزبًا، مسلمًا أو كافرًا، مادام مختارًا بالغًا عاقلًا، عالمًا بالتحريم، فإذا ثبتت الجريمة لدى الحاكم المسلم بالإقرار، أو الحَبَل، أو الشهادة: حرمت الشفاعة والرأفة حينئذ، ووجب الحدُّ، ردعًا للجاني عن العود، وتطهيرًا للمسلم العاصي من دنس الخطيئة، وزجرًا لغيره عن مثلها.