الأرض معدودة مهما عُمِّر، بل إن حياة الجنس البشري كلِّه على الأرض، متاع قليل، إذا قيست بأعمار بقية مخلوقات الله الكونية.
عَنْ أَبِي السَّلِيلِ ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ:"مَا صَدَقْتُمْ أَنْفُسَكُمْ تُؤَمِّلُونَ مَا لَا تَبْلُغُونَ ، وَتَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ ، وَتَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ ، وَلِلْخَرَابِ تَبْنُونَ ، وَلِلْمَوْتِ تَلِدُونَ" [1]
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، قَالَ:"يَا أَهْلَ دِمَشْقَ اسْتَمِعُوا إِلَى قَوْلِ أَخٍ لَكُمْ نَاصِحٍ"، قَالَ: فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ:"مَا لِي أَرَاكُمْ تَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ ، وَتَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ ، وَتَأْمُلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ ؟ ، فَإِنَّهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَنَوْا شَدِيدًا ، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا ، وَجَمَعُوا كَثِيرًا ، فَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا ، وَمَجْمَعُهُمْ بُورًا ، وَمَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا" [2]
وبعد الانتهاء من عرض الصورة المظلمة، للإنسان اللاهي المنصرف عن ربِّه، تعرض الآية الصورة المشرقة، للإنسان الواعي المتصل بالله اتصالًا سويًا مستقيمًا، فهو قانت لربِّه، مطيع له، متوجِّه إليه، ساجد على أعتابه، قائم بين يديه، حَذِرٌ من عقابه، راجٍ لرحمته. وكلمة القانت لله فيها أربعة وجوه: فهو المطيع، وهو الخاشع، وهو القائم، وهو الداعي إلى الله. ومن ذلك كلِّه ندرك أن الصلة القويمة بالله يجب
(1) - تَهْذِيبُ الْآثَارِ لِلطَّبَرِيِّ (2570 ) صحيح
(2) - قِصَرُ الْأَمَلِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (251 ) وفيه انقطاع