الصفحة 21 من 36

يتضح من هذين الأثرين أنه لا يجوز للقاضي أن يعمل بنفسه في التجارة, ومثل هذا القول من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لا يكون إلا بتوقيف، ومن عمر بن عبد العزيز بمرجح ظهر له.

من المعقول:

أ- لو اشتغل القاضي بالتجارة لكان معروفًا بين الناس، فيكون مظنة أن يحابوه في معاملاتهم معه، فيكون ما يأخذه محاباة في معنى الرشوة.

ب- إن اشتغاله بالتجارة يشغله عن النظر في أمور الناس, وما يؤدي إلى الحرام فهو حرام [1] .

وأما الحنفية [2] والمالكية [3] فقد كرهوا للقاضي العمل بالتجارة في مجلس القضاء فقط, وأما في غير مجلس القضاء فيجوز ذلك، واحتجوا لما ذهبوا إليه بالسنة, والأثر, والمعقول.

من السنة:

أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- باشر الشراء بنفسه [4] .

من الأثر:

أن الخلفاء الراشدون ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يباشرون ذلك بأنفسهم حتى أن أبا بكر -رضي الله عنه- بعدما استُخلف حمل متاعًا من متاع أهله إلى السوق ليبيعه [5] .

جاء في «المبسوط» : «وينبغي له ألا يشتري شيئًا ولا يبيع في مجلس القضاء لنفسه؛ لأنه جلس للقضاء فلا يخلط ما ليس من القضاء ومعاملته لنفسه في شيء؛ ولأن الإنسان فيما يبيع ويشتري بما كسب عادة, وذلك يذهب حشمة مجلس القضاء, ويضع من جاهه بين الناس, ولا بأس أن يفعل ذلك في مجلس القضاء ليتيم أو ميت مديون, فإن ذلك من عمل القضاة, وإنما جلس لأجله, ومباشرة ذلك في مجلس القضاء يكون أبعد عن التهمة منه إذا باشره في غير مجلس القضاء, ولا باس بأن يبيع ويشتري لنفسه في غير مجلس القضاء [6] .

من المعقول:

أن القاضي بعد تقليد القضاء يحتاج لنفسه وعياله إلى ما كان محتاجًا إليه قبل التقليد [7] .

والراجح: هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أنه «يكره للقاضي مطلقًا العمل بالتجارة؛ لأن المصلحة والاحتياط للعدل يقتضيان إبعاد القاضي عن الشبهات» .

(1) «الأم» (6/ 201) «المغني» (9/ 79) .

(2) «المبسوط» (16/ 77) .

(3) «شرح الخرشي, وحاشية العدوي» (7/ 150) .

(4) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن رجلًا اعتق غلامًا له عن دبر فاحتاج, فأخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «من يشتري مني» فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه, أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب البيوع, باب البيع بالمزايدة رقم 2141.

(5) «المبسوط» (16/ 77) .

(6) المصدر السابق.

(7) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت