فهرس الكتاب
والعادة أن الناس يسامحون في المعاملة مع القضاة بين أيديهم خوفًا منهم, أو طمعًا فيهم, فيكون من هذا الوجه في معنى من يأكل بدينه [1] كما كره الفقهاء للقاضي أن يستعير أو يقترض ممن لم يكن قبل القضاء يستعير أو يستقرض منه [2] .
حضور القاضي للولائم:
اتفق الفقهاء على أنه يحرم على القاضي حضور الوليمة إذا كان الداعي خصمًا, وأما إذا كان الداعي غير خصم, فذهب الحنفية [3] والمالكية [4] أنه ينبغي على القاضي أن يتجنب الولائم, واستثنوا من هذا وليمة النكاح, فأجازوا للقاضي حضورها، إلا أنهم كرهوا له الأكل فيها وإن حضرها.
وذهب الشافعية [5] والحنابلة [6] إلى أنه يجوز للقاضي حضور الولائم إذا كان الداعي لها ليس خصمًا في دعوى، اللهم إذا كثرت الولائم وازدحمت, فينبغي تركها جميعًا؛ لأن ذلك يشغله عن الحكم, لكنه يعتذر إلى أصحابها, ولا يجيب بعضًا دون بعض.
واستدلوا على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحضر الولائم, ويأمر بحضورها, وقد ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من لم يجب فقد عصى الله ورسوله» [7] .
المطلب الثاني
قضاء القاضي بعلمه
اتفق الفقهاء على العمل بعلم القاضي في أربع حالات، وهي:
الأولى: اتفق الفقهاء ألا يقضي بخلاف علمه ولو مع البينة المخالفة، فإذا علم بطلاق, أو بدين, أو بإتلاف, أو بقتل, ثم قامت البينة على ما يخالف علمه, فلا يجوز له أن يقضي بالبينة قطعًا [8] وقال بعض الفقهاء بالإجماع؛ لأنه متيقن بطلان البينة والحكم بها، والحكم بالباطل حرام، فيجب عليه أن يعتزل النظر في القضية، أو يفوض غيره فيها، ويكون شاهدًا، أو يرفض سماع الدعوى أصلًا، وقد عنون لذلك البخاري فقال: «باب الشهادة تكون عند الحاكم في زمان ولايته القضاء, أو قبل ذلك للخصم» وساق قصة شريح وهي: «وقال القاضي شريح ـ وسأله إنسان الشهادة ـ فقال: ائت الأمير حتى أشهد لك، وقال عكرمة: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلًا على حد سرقة, أو زنا وأنت أمير؟ فقال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين, قال: صدقت» [9] .
الثانية: اتفق جمهور الفقهاء على جواز العمل بعلم القاضي في الجرح والتعديل، فإذا علم حال الشهود عدالة أو جرحًا فيجب عليه أن يعمل بموجب علمه، فيقبل العدل، ويسمع شهادته دون أن يأمر بتعديله أو تزكيته، ولو طلب الخصم ذلك، ويرد كل طعن فيه أو تجريح إلا إذا بيَّن المجرح شيئًا جديدًا لم يطلع عليه القاضي, فيقدم الجرح, وإذا علم فسق الشاهد وتجريحه, فلا
(1) المصدر السابق.
(2) «تبصرة الحكام» (1/ 24) «جواهر العقود» (2/ 357) .
(3) «المبسوط» (16/ 82) .
(4) «القوانين الفقهية» (ص 258) «شرح الخرشي» (7/ 150) .
(5) «المهذب» (2/ 292) «مغني المحتاج» (4/ 392) «الأم» (6/ 204) .
(6) «المغني» لابن قدامة (9/ 79, 80) .
(7) أخرجه مسلم في «صحيحه» باب موعظة الإمام للخصوم (6/ 2622) .
(8) انظر «أدب القاضي» للغزي (2/ 669) وقارن ما قاله الشاطبي بأن يقضي القاضي بالشهادة, ولو خالفت علمه «الموافقات» (2/ 195) .
(9) أخرجه البخاري في «صحيحه» .