الصفحة 23 من 36

يقبل شهادته, ولا يسأل عنه, ولا يسمع تعديله ولو طلب الخصم ذلك, وقبول علم القاضي في الجرح والتعديل جائز عند الجمهور؛ لئلا يؤدي إلى التسلسل فيه، ولم يخالف فيه إلا رواية عند الحنابلة خشية التهمة عليه.

الثالثة: اتفق جمهور الفقهاء على جواز حكم القاضي بعلمه فيما يحدث في مجلس حكمه، فإذا بدرت إساءة من أحد أطراف النزاع نهره القاضي، وإذا تطاول أحدهم بالكلام على القاضي أو على الخصم منعه، ويؤدب من تبين لدده أو كذبه من المتخاصمين، وإذا حدث ضرب أو جرح في مجلس القضاء حكم القاضي على المعتدي, واستند في حكمه على ما سمع, ولا يحتاج إلى بينة.

الرابعة: اتفق على جواز الحكم بعلم القاضي في حق الله تعالى حسبة، كأن يسمع القاضي الطلاق البائن من الزوج، ثم يدعي الزوجية، فيمنعه من الاتصال بزوجته، وكما إذا سمع القاضي وقف أرض, ثم ادعى رجل ملكيتها.

واتفق الفقهاء على أن يقضي القاضي بعلمه في تغليب حجة أحد الخصمين على حجة الآخر، إذا لم يكن في ذلك خلاف، لكن هذا يرجع إلى علمه بالأحكام، ومنها طرق الترجيح عند التعارض وغيره [1] .

ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك في جواز الحكم بعلم القاضي فيما علمه خارج القضاء، سواء أكان الموضوع حدًّا, أم قصاصًا, أم حقًّا ماليًّا، أم حقًّا غير مالي سواء علمه قبل توليه القضاء أم بعده، على ثلاثة أقوال:

القول الأول:

أن القضاء بعلم القاضي غير جائز مطلقًا، مهما كان نوع الحق وموضوع الدعوى، وكيفما كان حصول علمه به، قال به

من الصحابة: أبي بكر, وعمر, وعلي, وعبد الرحمن بن عوف.

ومن التابعين: شريح, والشعبي, والأوزاعي, وإسحاق, وأهل الحجاز [2] .

رواية للحنفية, وهي المفتى بها في المذهب [3] والمالكية [4] والشافعية في رواية أخرى [5] والحنابلة في ظاهر المذهب [6] .

القول الثاني:

أن القضاء بعلم القاضي جائز مطلقًا, سواء علمه قبل توليه القضاء أم بعده، وسواء علمه في مكان ولايته أو خارجها، ذهب إلى ذلك بعض أهل العراق مثل يوسف, ومن تبعه [7] وابن الماجشون من المالكية [8] والشافعية في الرواية الثانية, وهي الصحيح من المذهب [9] وأحمد [10] .

(1) «المبسوط» (5/ 438) «شرح الخرشي» (7/ 169) «عقد الجواهر» (3/ 1019) «التاج والإكليل» (6/ 40) «تبصرة الحكام» (1/ 246) «مغني المحتاج» (4/ 398) «نهاية المحتاج» (8/ 246) «بداية المجتهد» (2/ 509) «كشاف القناع» (6/ 329) «المحلى» (9/ 429) «فقه القضاء» د/ محمد الزحيلي (ص 302) وما بعدها.

(2) «نيل الأوطار» (8/ 401) .

(3) «حاشية ابن عابدين» (8/ 133) «مجمع الأنهر» (2/ 169) .

(4) «الشرح الصغير» (4/ 230) و «بداية المجتهد» (4/ 317) و «عقد الجواهر» (3/ 1018) قال بعض أصحاب مالك: «يحكم بما علمه فيما أقر به أحد الخصمين عنده في مجلس الحكم» وقال ابن القاسم وأشهب: «لا يقضي بما يقع عنده في مجلس الحكم إلا إذا شهد به عنده» «بداية المجتهد» (4/ 318) .

(5) «المهذب» (3/ 399) التكملة الثالثة للـ «مجموع» (22/ 76) .

(6) «المغني» المطبوع على هامش «الشرح الكبير» (11/ 400) «الكافي» لابن قدامة (4/ 464) و «كشاف القناع» (6/ 335) .

(7) «حاشية ابن عابدين» (8/ 133) .

(8) نقل هذا القول عنه الشوكاني في «نيل الأوطار» (8/ 401) .

(9) قال الشافعي: «إن كان القاضي عدلًا لا يحكم بعلمه في حد ولا قصاص إلا ما أقر به بين يديه, ويحكم بعلمه في كل الحقوق مما علمه قبل أن يلي القضاء, أو بعد ما ولِّي, فقيد ذلك بكون القاضي عدلًا إشارة إلى أنه ربما ولِّي القضاء ما ليس بعدل» انظر «المهذب» (3/ 399) و «تحفة المحتاج» (4/ 368) التكملة الثالثة للـ «مجموع» (22/ 76) .

(10) انظر «المغني على الشرح الكبير» (11/ 400) و «الكافي» (4/ 464) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت