الصفحة 24 من 36

القول الثالث:

أن القضاء بعلم القاضي مقبول, فيما إذا علم به بعد توليه القضاء, وفي مكان ولايته, وكان القاضي مستمرًا في الحكم منذ عمله حتى عرض الواقعة على القضاء دون أن يفرق بينهما عزل, فإذا علم القاضي بواقعة في زمان ومكان ولايته, فإنه يحكم بعلمه وإلا فلا، ذهب إلى ذلك الإمام أبو حنيفة, والمتقدمون من الحنفية [1] ووافقهم بعض المالكية في رواية [2] .

الأدلة:

استدل أصحاب القول الأول على أن القاضي لا يحكم بعلمه مطلقًا بالكتاب, والسنة, والإجماع, والأثر, والمعقول:

أولًا من القرآن:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) [3] .

وجه الدلالة:

هذه الآية تدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه؛ لأنه لو جاز له الحكم لكان شاهدًا، والآية نصَّت على منع القضاة من إقامة حد القذف إلا أن يتوافر لديهم أربعة شهود.

ثانيًا من السنة:

أ- عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث أبا جهم بن حذيفة مصدقًا فلاجه رجل في صدقته, فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: «القود يا رسول الله» فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لكم كذا وكذا» فلم يرضوا، فقال: «لكم كذا وكذا» فلم يرضوا، فقال: «لكم كذا وكذا» فرضوا, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إني خاطب العشية على الناس, ومخبرهم برضاكم» فقالوا: «نعم» فخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود, فعرضت عليهم كذا وكذا فرفضوا, أرضيتم؟» قالوا: «لا» فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكفوا عنهم, فكفوا ثم دعاهم فزادهم فقال: «أرضيتم؟» فقالوا: «نعم» فقال: «إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم» فقالوا: «نعم» فخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أرضيتم؟» قالوا: «نعم» [4] .

وجه الدلالة:

هذا بيِّنٌ؛ لأنه لم يأخذ منهم بما علم منهم, ولا قضى بذلك عليهم, وقد علم رضاهم, فدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه [5] .

نوقش حديث عائشة بأنه ليس فيه إلا مجرد وقوع الإخبار منه -صلى الله عليه وسلم- بما وقع به الرضا من الطالبين للقود, وإن كان الاحتجاج بعدم القضاء منه -صلى الله عليه وسلم- بما رضوا به المرة الأولى فلم يكن هناك مطالب له بالحكم عليه [6] .

ب- عن جابر قال: أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين, وفي ثوب بلال فضة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقبض منها يعطي الناس، فقال: «يا محمد اعدل» فقال: «ويلك, ومن يعدل إذا لم أعدل, لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل» فقال عمر: «دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق» فقال: «معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية» [7] .

وجه الدلالة:

أن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع أصحابه من قتل صاحب هذه المقالة, بناء على علمه أن هذا الرجل من الصحابة، وبناء على ما علمه من مقالة الناس «إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقتل أصحابه» .

مناقشة حديث جابر:

هذا الحديث لا يدل على أن القاضي لا يحكم بعلمه بل غاية ما فيه الإقلاع عن القتل لمن كان في الظاهر من الصحابة؛ لئلا يقول الناس تلك المقالة, والإخبار للحاضرين بما يكون من أمر الخوارج, وترك أخذهم بذلك لتلك العلة [8] .

أجيب:

قوى هذا الكلام ما روي عن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي حين رآه: «والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك لكان خيرًا مما صنعت به» [9] فهذا يدل على أن القاضي لا يقضي بعلمه.

ج- قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «شاهداك أو يمينه» [10] وهذا يدل أيضًا على أن القاضي لا يقضي بعلمه؛ ولذلك أمر بالشاهدين أو اليمين, ولم يحكم بالعلم.

د- ذُكِرَ المتلاعنان عند ابن عباس فقال ابن شداد: «أهما اللذان قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتهما» ؟ فقال ابن عباس: «لا, تلك امرأة أعلنت» [11] ظاهر الحديث يفيد أنه -صلى الله عليه وسلم- قد علم بوقوع الزنا منها, ولم يحكم بعلمه [12] .

نوقش حديث مسلم:

هذا الحديث خارج عن محل النزاع بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما لم يعمل بعلمه؛ لكونه قد حصل التلاعن, وهو أحد الأسباب الشرعية الموجبة للحكم بعدم الرجم, وإنما النزاع في الحكم بالعلم من دون أن يتقدم سبب شرعي ينافيه [13] .

(1) «حاشية ابن عابدين» (8/ 133) .

(2) «عقد الجواهر الثمينة» (3/ 1018) .

(3) سورة النور من الآية 4.

(4) أخرجه أبو داود في «السنن» كتاب الديات, باب العامل يصاب على يديه خطأ رقم 4523, واللفظ له.

(5) «الاستذكار» (6/ 97) .

(6) «نيل الأوطار» (8/ 402) .

(7) أخرجه البخاري في «صحيحه» مختصرًا في كتاب فرض الخمس, باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة رقم 3138, مسلم في «صحيحه» كتاب الزكاة, باب ذكر الخوارج وصفاتهم برقم 1063.

(8) «نيل الأوطار» (8/ 402) .

(9) قال الألباني: «ضعيف» وقال شعيب: «صحيح لغيره, وهذا إسناد حسن» انظر «مسند أحمد بن حنبل» حديث برقم 22235.

(10) هذا جزء من حديث مطوَّل أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الرهن, باب إذا اختلف الراهن والمرتهن, برقم 2515, 2516.

(11) أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب اللعان, برقم 13/ 1497.

(12) «نيل الأوطار» (8/ 403) .

(13) المصدر السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت