فهرس الكتاب
خامسا: من المعقول:
يمنع القاضي من القضاء بعلمه لوجود التهمة, إذ لا يؤمن على التقي أن تتطرق إليه التهمة [1] .
أي قد يفسد حال القاضي نظرًا لفساد الزمان، قال في «المغني» : «ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته, والحكم بما يشتهي, ويحيله على علمه» [2] فلم يجز أن يقضي بعلمه كالحكم لولده [3] وجاء في «المهذب» : «لو كان علمه كشهادة اثنين لانعقد النكاح به وحده» [4] ولأن الشاهد مندوب للإثبات, والقاضي مندوب للحكم, ولا يجوز أن يكون الشاهد قاضيًا بشهادته، كما لا يجوز أن يكون القاضي شاهدًا لحكمه, لو جاز أن يقضي الحاكم بعلمه لجاز أن يثبت بشاهد واحد [5] .
جاء في «الفتح» : «ولأن الذين منعوا ذلك مطلقًا اعتلوا بأنه غير معصوم, فيجوز أن تلحقه التهمة إذا قضى بعلمه أن يكون حكم لصديقه على عدوه» [6] أو يمنع من القضاء بعلمه سدًّا للذرائع على قضاة السوء أن يحكم أحدهم بما شاء, ويحيله على علمه [7] .
استدل أصحاب الرأي الثاني على جواز قضاء القاضي بعلمه مطلقًا بالكتاب, والسنة, والأثر, والمعقول:
أولًا: دليل الكتاب:
قوله تعالى: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) [8] يفيد عموم هذه الآيات أن القاضي يحكم بين الناس بالعدل والقسط، فلو كان في علمه ما ينصف المظلوم وجب عليه تأديته, وإلا لأدى ذلك إلى نصرة الظالم.
ثانيًا: دليل السنة:
أ- أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت: «يا رسول الله, والله ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يعزوا من أهل خبائك» ثم قالت: «إن أبا سفيان رجل مسيك, فهل عليَّ من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟» فقال لها: «لا حرج عليك أن تطعميهم من معروف» [9] .
وجه الدلالة:
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حكم لهند بأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف, بناء على علمه بشح أبي سفيان، فلو لم يكن القضاء جائزًا بعلم القاضي لما حكم لها إلا بعد سماع البينة التي تثبت صحة دعواها, أو إقرار المدعى عليه، لكنه حكم من غير ذلك، فكان ذلك دليلًا على صحة قضاء القاضي بعلمه.
قال ابن بطال: «احتج من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بهذا الحديث؛ لأنه إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان, ولم يلتمس على ذلك بينة» [10] .
نوقش: أنه لا دلالة في هذا الحديث على المطلوب؛ لأنه خرج مخرج الفتيا, وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي [11] .
رد: إن محل الدليل إنما هو عمله بعلمه أنها زوجة أبي سفيان, فكيف صح هذا التعقب؟.
أجيب: بأن الذي يحتاج إلى معرفة المحكوم له هو الحكم لا الإفتاء, فإنه يصح للمجهول، فإذا ثبت أن ذلك من قبيل الإفتاء بطلت دعوى أنه حكم بعلمه أنها زوجته [12] .
وقد تعقب الحافظ هذا الكلام فقال: «هذا بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ، واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه، فلابد من سبق علم» [13] .
ويجاب عن هذا بأن الأمر لا يستلزم الحكم؛ لأن المفتي يأمر المستفتي بما هو الحق لديه, وليس ذلك من الحكم في شيء [14] .
ب- ما أخرجه أحمد, والنسائي, والحاكم عن أبي هريرة قال: جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال للمدعي: «أقم البينة» فلم يقمها، فقال للآخر: «احلف» فحلف بالله الذي لا اله إلا هو ما له عنده شيء, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «قد فعلت, ولكن غفر لك بإخلاص لا اله إلا الله» [15] وفي رواية للحاكم: «بل هو عندك, ادفع إليه حقه» [16] .
وجه الدلالة:
هذا الحديث فيه أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بعلمه بعد وقوع السبب الشرعي وهو اليمين, فبالأولى جواز القضاء بالعلم قبل وقوعه [17] .
ونوقش: بأن هذا الحديث فيه عطار بن السائب, وقد ضعَّفه علماء الجرح والتعديل، ولو سلم صحته, فلا دلالة فيه على المدعي؛ لأنه قد ثبت في بعض الروايات أن جبريل - عليه السلام - أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن المدعى عليه كاذب في يمينه؛ فلذا أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بدفع الحق الذي عليه للمدعي، وما كان في ذلك قضاء بعلمه، بل بما علمه من جبريل.
ثانيًا: دليل الأثر:
أ- أن رجلًا من بني مخزوم استعدى عمر بن الخطاب على أبي سفيان بن حرب، أنه ظلمه حدًّا في موضوع كذا وكذا، فقال عمر: «إني لأعلم الناس بذلك, وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان, فإذا قدمت مكة، فأتني بأبي سفيان» فلما قدم مكة آتاه
(1) «نيل الأوطار» .
(2) «المغني» (11/ 402) .
(3) «الكافي» (4/ 464) .
(4) «المهذب» (3/ 399) .
(5) التكملة الثالثة للـ «مجموع» (22/ 79) .
(6) «فتح الباري» (15/ 37) .
(7) «الفتح» (15/ 38) .
(8) سورة المائدة الآية 8.
(9) «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» (15/ 37) .
(10) المرجع السابق (15/ 38) .
(11) «نيل الأوطار» (8/ 401) .
(12) المرجع السابق.
(13) «فتح الباري» (15/ 37) .
(14) «نيل الأوطار» (8/ 401) .
(15) «نيل الأوطار» (8/ 404) .
(16) المصدر السابق.
(17) المصدر السابق.