فهرس الكتاب
ومفهوم علانية المحاكمة أصبح يعني في العصر الحاضر أن يتم نظر الدعوى المرافعة فيها في جلسات مفتوحة للجميع يكون لكل شخص الحق في حضورها, وأن يصدر الحكم في جلسة علنية، وأن يسمح بنشر ما يحدث في الجلسات من مناقشة، وأن يسمح بنشر الأحكام التي تصدر [1] .
وقد صرح بعض المحدثين بأن الأصل في القضاء الإسلامي هو العلانية, حتى تكون الدعوى معلومة، فيدخل في الخصومة من يجد أنها تتعدى إليه, أو له بها علاقة، وحتى يحصل الاطمئنان لدى الخصوم، والردع والزجر لدى الحاضرين [2] .
قال ابن فرحون في مقام ذكره لما ينبغي للقاضي أن يفعله في سيرته في الأحكام ما نصه: «ومنها أنهم قالوا: لا يقضي إلا بحضرة أهل العلم ومشورتهم؛ لأن الله تعالى يقول لنبيه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [3] وقال الحسن البصري -رضي الله عنه-: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستغنيًا عن مشورتهم, ولكنه أراد أن تصير سنة للحكام» قال أشهب: «إلا أن يخاف المضرة من جلوسهم، ويشتغل قلبه بهم وبالحذر منهم، حتى يكون ذلك نقصانًا في فهمه، فأحب إليَّ ألا يجلسوا إليه» [4] .
وقال ابن قدامة: «قال أصحابنا: يستحب أن يحضر مجلسه أهل العلم من كل مذهب, حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى أن يسألهم عنها سألهم ليذكروا أدلتهم فيها وجوابهم عنها, فإنه أسرع لاجتهاده» [5] .
يتضح من العبارات السابقة للعلماء أنهم جعلوا هذا الأمر مستحبًا وليس واجبًا, إلا أنه ورد عند المالكية ما يشير إلى الوجوب, وهو ما قاله الشيخ عليش: «وينبغي أن يحضر العلماء مجلس القضاء في معضلة أو يشاورهم ... , وإن كان بليدًا بلادة لا يمكنه معها ضبط قول الخصمين, وتصور الحقيقة لم يختلف في وجوب حضورهم» [6] .
وهذا النوع من العلانية والمراقبة أجدى نفعًا من مراقبة العوام، فإن اللحن من الحجج, والالتواء في الاستنتاج غَدَا في أيامنا هذه أيسر طرقًا, وأوسع مجالًا, وأكثر وسائل من أي وقت مضى، خصوصًا بعدما أصبحت مهنة المحاماة من أربح المهن, ولم يعد الهدف المقصود بها إظهار الحق وإزهاق الباطل, وإنما جمع الأموال, وكسب الشهرة, ولو أدى ذلك إلى عكس المقصود بالقضاء, وهو حماية الحقوق, وردِّها إلى أهلها.
وإن إتاحة الفرصة للعلماء من الأمة لمراقبة القضاة والمحامين أفضل من مراقبة الناس عامة, فهم أقدر من غيرهم على اكتشاف انحرافهم وفنونهم في الالتواء والتأويل [7] .
وقد نصت مجلة «الأحكام العدلية» على ضمان مبدأ العلانية حيث ورد في المادة 1815: «يجري القاضي المحاكمة علنًا, ولكن لا يفشي الوجه الذي سيحكم به قبل الحكم» [8] .
(1) «التنظيم القضائي الإسلامي» حامد أبو طالب (ص49) .
(2) «القضاء في الإسلام» محمد سلام مدكور (ص 49) .
(3) سورة آل عمران الآية 159.
(4) «تبصرة الحكام» (1/ 9) .
(5) «المغني» لابن قدامة (9/ 52) .
(6) «منح الجليل» (4/ 158) .
(7) «نظرية الدعوى» (ص 425) «أصول المحاكمات الشرعية في قوانين دولة الإمارات» (ص105) .
(8) «درر الحكام» علي حيدر (4/ 623) .