الصفحة 33 من 36

ثم علَّق شارحها وقال: «يجري القاضي المحاكمة بين الخصمين علنًا؛ أي: أنه لا يمنع الأشخاص الذين يحضرون المحاكمة لسماعها من الحضور» [1] .

ولكن لكل قاعدة استثناء, فقد تكون بعض الأمور تحتاج حتمًا للسرية, ومنع اطلاع الآخرين عليها, كالمحافظة على النظام العام في أسرار الدولة، أو لمراعاة الآداب الاجتماعية؛ لمنع انتشار الأفعال المخلة بالآداب, ومنع سماعها, أو للحفاظ على حرمة الأسرة في أسرار الحياة الزوجية والعلاقة بين الأسرة؛ لذلك سمح القانون للمحكمة أن تكون الجلسة سرية إن رأت ذلك من تلقاء نفسها, أو بناء على طلب أحد الخصوم؛ محافظة على النظام العام, أو مراعاة للأدب, أو حرمة الأسرة. المادة 76 إجراءات مدنية.

وقد تنظر المحكمة الدعوى في غرفة المداولة أحيانًا, أو في قاعة المحكمة بعد إخراج المستمعين, فإن نظرتها في جلسة علانية كان الحكم باطلًا، وإن كانت الجلسة سرية فيجب النطق بالحكم في جميع الأحوال علانية، كما نصَّ القانون الإجراءات الجزائية على علنية المحاكمة إلا لأسباب استثنائية [2] .

إلا أن ذلك لا يعني السرية التامة، وإنما المقصود منه منع العوام من الدخول دون أهل الاستشارة من العلماء, وكذلك الشهود على ما يحصل في المحكمة, وكذلك لا يمنع من تدوين وتسجيل ما فيها لحين الحاجة [3] .

المطلب الثاني

المواجهة بين الخصوم

أشار المالكية إلى أن القاضي لا يصح له النظر في الدعوى مع غياب أحد الخصوم, فلا ينبغي أن يدخل عليه أحدهما دون صاحبه, لا في مجلس قضاءه, ولا في خلوته، ولا ينبغي أن يجيب أحدهما في غيبة الآخر [4] .

غير أنه إذا ظهر اللدد والتعنت من أحد الخصوم في غيابه جاز للقاضي النظر في الخصومة, وإن ظل غائبًا, كما يجوز للقاضي أن يطلع على الخصومة إذا عرضها عليه المدعي، وإن كان خصمه غائبًا؛ ليعرف وجهها, فإن وجدها صالحة للنظر فيها استدعى الخصم, وإن وجدها باطلة ردَّها واستراح من عناء النظر فيها, وذلك كأن يستبين من أقوال المدعي أنه يطلب ما هو محرم شرعًا، كثمن خمر, أو خنزير, أو نحو ذلك فيردها [5] .

والواقع أن هذا المبدأ وهو المواجهة بين الخصوم من مقتضيات مبدأ المساواة بين الخصوم؛ لأن في السماع من أحدهما في غيبة الآخر تفضيلًا له عليه, وحرمانًا للآخر من سماع أقوال خصمه, والرد عليها, والدفاع عن رأيه, غير أنه في كل مرة يتعنت أحد الخصمين يحرم من مقتضيات هذا المبدأ, فيسمع من خصمه في غيابه, إذ لا يجوز أن يكون هذا المبدأ سلاح يستعمله أهل الباطل لأكل أموال الناس وحقوقهم [6] .

(1) المصدر نفسه.

(2) «أصول المحاكمات الشرعية في قوانين دولة الإمارات العربية المتحدة» (ص 105) .

(3) «نظرية الدعوى بين الشريعة وقانون المرافعات» (ص 452) .

(4) «القوانين الفقهية» لابن حزم (ص 285) «تبصرة الحكام» (1/ 42) «منح الجليل» (4/ 161) .

(5) «تبصرة الحكام» (1/ 42) .

(6) «نظرية الدعوى» (ص 454) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت