لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بدعًا من الرسل، فقد لقي مثل ما لقوا، وتطاولوا عليه أكثر مما تطاول سفهاء الأمم على رسلهم، وحفظه الله من كيدهم وعتوهم، وقص عليه قصص الأنبياء السابقين مع أممهم تسلية لقلبه، وتطييبًا لخاطره، وبيانًا أن هذا هو سبيل المرسلين، وسأذكر بعض ما لقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قومه توطئة لبيان أن التطاول المعاصر ما هو إلا تكرار لسنة ماضية، سنها الشيطان فسار عليها أتباعه في كل عصر، السابق يوصي اللاحق، والمتأخر يقتفي أثر المتقدم؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} الذاريات،53. وقال جل ثناؤه مخبرًا عن هذا التواصي: {وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} سورة ص، 6.
وقد تنوعت صور ذاك التطاول وتكاثرت كثرة قد تتعذر الإحاطة بها، ولكن يكفي من ذلك موضع الشاهد، فمن ذلك:
أولًا: اتهامه - صلى الله عليه وسلم - بالسحر والجنون قال تعالى مخبرًا عن ذلك: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} سبأ، 8. وقال تعالى: {وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} الحجر،7.
ويتكرر منهم القول {وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ. بَلْ جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} الصافات،36، 37.
ويدافع الله عنه ويقسم بما يشاء إنه لرسول كريم وما هو بمجنون، قال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ. الْجَوَارِ الْكُنَّسِ. وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ. وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ. وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ. وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ. وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ} التكوير،15 - 22.
ثم يبين الله أن هذا الاتهام سنة ماضية {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} الذاريات،52، 53.