الصفحة 17 من 62

عليك يا محمد! ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المستخفين بحقك فيّ وفي طاعتي، وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي، والإقرار بي والإذعان لطاعتي؛ فإنهم إن تمادوا في غيهم، وأصروا على المقام على كفرهم؛ نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم، من تعجيل النقمة لهم، وحلول المثلاث بهم، فقد استهزأت أمم من قبلك برسل أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك، وفعلوا مثل فعل قومك بك؛ فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون). [1]

وكان المنافقون يستهزئون به ويعلمون أنه نبي، ويحذرون أن ينزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - سورة تنبئهم بما في قلوبهم قال تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} التوبة،64.

ولما كانت السخرية والاستهزاء هي سنة السابقين واللاحقين من مخالفي الرسل؛ أخبره ربه بهذه السنة وما يترتب عليها من المصير البئيس قال جل ثناؤه: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الرعد،32. قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: (يقول تعالى مسليًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في تكذيب من كذبه من قومه(ولقد استهزئ برسل من قبلك) أي فلك فيهم أسوة (فأمليت للذين كفروا) أي أنظرتهم وأجلتهم (ثم أخذتهم) أخذة رابية فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم). [2]

رابعًا: الأذى الجسدي؛ لئن حاول الكفار إحراق نبينا إبراهيم عليه السلام، وقتل اليهود يحيى بن زكريا عليه السلام؛ فقد بلغ الأذى لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عظيمًا، ولكن على قدر الإيمان يكون البلاء، ولقد تعددت محاولات الكفار لقتل الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وإيذائه، ومن ذلك أنهم تآمروا ليلة على قتله - صلى الله عليه وسلم - وتشاوروا في الأمر، وحضرهم إبليس على هيئة رجل من أهل نجد، وانتهى أمرهم بتأييد رأي أبي جهل في أن يُختار شاب من كل بطن من بطون قريش، ويعطى كل منهم سيفًا فإذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل فلا تستطيع بنو هاشم أن تأخذ بثأره، وترضى حينئذ بالعقل. فحماه الله من كيدهم وأنزل جبريل بالخبر من السماء وأذن له في الخروج قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ

(1) جامع البيان 7/ 153.

(2) تفسير القرآن العظيم2/ 517.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت