أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد! أسمع قال: يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك؛ طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، وإن كان بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كما قال، له حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه، قال: أفرغت يا أبا الوليد! قال نعم قال: فاستمع مني قال أفعل قال: {بسم الله الرحمن الرحيم، حم. تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} فصلت،1 - 4. ثم مضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها وهو يقرؤها عليه؛ فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد! ما سمعت فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد! قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط: والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش! أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم). [1]
والناظر في هذه القصة يجد أن كفار قريش قد عرضوا عليه - صلى الله عليه وسلم - أمورا كثيرة، وحقيقة هذا العرض اتهام له - صلى الله عليه وسلم - في مقصد رسالته؛ ذلك أنهم عرضوا عليه: الملك، والمال، والنساء، والعلاج، ويلزم من ذلك أنهم يتشككون في مقصده من الرسالة إذ يعتقدون أنه إنما جاء
(1) تفسير القرآن العظيم 4/ 92، بتصرف يسير، وانظر جامع البيان 15/ 164.