طالبا للملك، أو طالبا للمال، أو مستكثرا من النساء، أو مريض سيطر عليه المرض فلا يدري ما يقول، وحاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الحال التي آل إليها أبو الوليد تفصح عن حقيقة الرسالة؛ فقد كان لهذه الرسالة نبأً عظيما كما قال أبو الوليد.
سابعا: اتهامه - صلى الله عليه وسلم - في عرضه الشريف الطاهر؛ وهذا الاتهام روّج له رأس النفاق في المدينة عبدالله بن أبي بن سلول، وتولى الله بيان كذبه وافترائه في آيات تتلى إلى يوم القيامة. [1]
ومن أجل ذلك وغيره ولحكم كثيرة لا يعلمها إلا الله؛ تكاثرت في السور المكية قصص الأمم الغابرة مع أنبيائها، وكيف سخروا منهم، وكيف تمالوا عليهم، وكيف وقفوا منهم موقف المحارب المعاند، فكانت عاقبة الأنبياء الظفر والنصر، وكانت عاقبة المخالفين البوار والدمار، قال جل ثناؤه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} الأنعام،33 - 35.
وبعد هذا الإيجاز في ذكر بعض تطاول الكفار على رسولنا - صلى الله عليه وسلم - أقول إن كل تطاول من الأمم السابقة على أنبيائها تجد أن كفار قريش قد استخدموه، وكل شبهة ألقيت على رسول سابق فقد ألقيت على رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، ذلك أن كفار قريش رزقوا ذكاء ولم يرزقوا زكاءً، فقد تعنتوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورموه بكل طامة؛ رغبة في صد الناس عن الهدى، وهذا كله لحكمة عظيمة لا يعلمها إلا الله؛ حتى لا يبقى بعدهم لمتعنت أو مجادل شبهة لم تثر في وجهه الشريف - صلى الله عليه وسلم -، وما ذاك - والله أعلم - إلا ليستقصي كفار قريش كل شبهة يمكن أن يرمى بها الإسلام في أي وقت، ثم يتولى الله جوابهم عنها، حتى إذا توالت الأيام ونبغ في دول الكفر من يفترى شبهة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو على الإسلام، فإذا الشبهة قد سبق أن قيلت في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتكفل الله بردها وتفنيدها، ذلك أن الله سبحانه وتعالى تكفل بتفنيد كل شبهة،
(1) انظر صحيح البخاري4/ 1517ن وصحيح مسلم 4/ 2129، وجامع البيان18/ 86، وتفسير القرآن العظيم3/ 270.