الصفحة 42 من 62

والعنصر والمصلحة. وأخبر سبحانه وتعالى أن البشر لو تركوا وأهواءهم لفسدت السموات والأرض، قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ} المؤمنون،71.

ومن أجل ذلك كله ترى ردود أفعالهم عنيفة تجاه أي حدث يشير ولو من بعيد إلى مظهر من مظاهر الإسلام، كالحجاب مثلا، أو ينبئ عن عودة الهيمنة لهذا الدين، حتى ولو كان في بلدة فقيرة في أدغال أفريقيا أو في أحراش آسيا، يقول محمود شاكر رحمه الله مبينا توجس الغرب من يقظة دار الإسلام وخوفهم منها قال ذلك بعد أن دكت جيوش مصر بقيادة محمد علي قلب الجزيرة العربية: (وكذلك أدرك الاستشراق وأدركت المسيحية الشمالية مأربا من أكبر مآربها في وأد اليقظة التي كانت تهددهم بها دار الإسلام في جزيرة العرب، والتي كانت تخشى المسيحية الشمالية أن تنضم هذه اليقظة إلى اليقظة الكائنة في مصر، فيومئذ لا يعلم غير الله ما تكون العواقب، كما أسلفت، وتم كل ذلك على يد مسلمين جهلة يوجههم الاستشراق والمسيحية الشمالية من حيث لا يبصرون ولا يعلمون ماذا يراد بهم، ولا إلى أي هوََة من الهلكة يساقون) . [1]

ومن أجل ذلك يرجع مراد هوفمان ردود الفعل العنيفة إزاء إسلامه إلى المواقف التاريخية السابقة بين الإسلام والنصرانية، ويقول: (يعود ذلك إلى فزع يسكن قلوب الألمان، ورعب متمكن من أعماق الشعب الألماني من كل ما هو إسلامي، وهذا الفزع التاريخي يصل إلى درجة غير المعقول، وسرعان ما يتحول - وبسهولة شديدة - إلى عداء سافر ... إلى أن يقول: ولعبت الحروب الصليبية بطبيعة الحال - دورا أساسيا في إذكاء هذا الفزع وروح العداء تجاه الإسلام والمسلمين، فلقد أصابت هذه الحروب - برغم نجاحها العسكري - الأوربيين بصدمة هائلة ومروعة؛ لأنهم تيقنوا أن هؤلاء(الكفرة) الحقراء، الذين يقطنون بلاد الشام، أصحاب حضارة كبرى مزدهرة، بل إنها تتفوق على الحضارة المسيحية الأوربية في مختلف المجالات. ولقد أدرك بعضهم في ذلك الوقت حقيقة أثارت حرجهم، بل أزعجتهم، حقيقة مفادها: أن الغرب هو غروب صباح أشرق في بلاد الشرق). [2]

(1) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا138.

(2) رحلة إلى مكة, ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت