فهرس الكتاب
المبحث الثالث
الأسباب التي تدعو المعاصرين من أهل الكتاب للتطاول
مضى الحديث في مبحث سابق عن أسباب تطاول أهل الكتاب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى الإسلام وأهله، وسيكون الحديث هنا عن الأسباب التي تدعو المعاصرين منهم للتطاول، والناظر في هذا الموضوع يرى أن الأسباب تكاد تكون متماثلة إلى أنه استجدت بعض الأحداث وتغيرت الموازين؛ فصاحب ذلك أسباب تهيأ بواسطتها لأهل الكتاب من التطاول ما لم يكن متاحا لهم من قبل، ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن الصراع قائم بين الحق والباطل منذ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ} إلى يوم البعث، وهذا مما أخبر الله عنه في محكم كتابه فقال جل ثناؤه: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ. قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ. قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ. لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} سورة ص، 71 - 85. ولكن هذا الصراع قد يستعر بين بعض أتباع المنتسبين إليهما في مكان أو زمان، وقد يستشري، وقد يخبو، وتتعدد أسباب يقظته واستعاره، وسأذكر بعض ما ظهر لي أنه أسهم في تأجيج الصراع في هذا العصر وزيادته، وسوف تكون إشارتي إلى هذه الروافد إشارة موجزة تذكر بالأمر، ولا توغر الصدر، وهذه الأسباب بعضها قديم كامن في أنفسهم، وبعضها جديد حادث أنتجته الحوادث، وهذه الأسباب هي:
السبب الأول: العداوة المتأصلة بين الحق والباطل التي أشارت إليها الآيات السابقة وغيرها. وقد سبقت الإشارة إليها.