حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم والمدافعة عنهم، ومكنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها). [1]
وقال جل ثناؤه وتقدست أسماؤه موضحًا جانبًا من جوانب هذه السنة الإلهية وهي سنة المدافعة: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} الحج،40. (أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء؛ لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة؛ فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات، فكأنه قال: أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله: {ولولا دفع الله الناس} الآية، أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذي يذب عنه. وأيضًا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم، وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى، أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد عليه السلام المساجد ... قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية) . [2]
قال ابن عاشور: (ويجوز أن يكون المراد: لولا ما سبق قبل الإسلام من إذن الله لأمم التوحيد بقتال أهل الشرك(كما قاتل داود جالوت، وكما تغلّب سليمان على مَلِكَة سبأ) ؛ لمَحق المشركون معالم التوحيد (كما محق بختنصر هيكل سليمان) ... أي أذن للمسلمين بالقتال كما أذن لأمم قبلَهم؛ لكيلا يطغى عليهم المشركون كما طغوا على من قبلهم حين لم يأذن الله لهم بالقتال). [3]
إذًا المدافعة واقعة كونًا وقدرًا، وحماة الحق ودعاته قائمون بنصرة الدين والذب عن حياضه، وأرباب الباطل وأنصاره متواطئون على دفع الحق وإنكاره، ولما كان الأنبياء والمصلحون
(1) تيسير الكريم الرحمن108.
(2) الجامع لأحكام القرآن، 12/ 70.
(3) التحرير والتنوير17/ 227.