الصفحة 8 من 62

المطلب الثاني: كفاية الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وعصمته له من أعدائه

تكفل الله ـ جل جلاله وتعالى مجده ـ بحفظ رسله عليهم الصلاة والسلام، وخص رسوله - صلى الله عليه وسلم - بما لم يخص به أحدًا من خلقه، فقال سبحانه وتعالى في معرض الإخبار عن حفظ الأنبياء والمرسلين: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} غافر،51. وقال عن حمايته سبحانه وتعالى لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة، 67. وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} فأخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه من القبة فقال لهم: أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله) [1] . وقال عز شأنه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ} الحجر، 95 - 96.

قال ابن تيمية فصل وآياته - صلى الله عليه وسلم - المتعلقة بالقدرة والفعل والتأثير أنواع، ثم قال: (النوع السابع: في كفاية الله له أعداءه وعصمته له من الناس وهذا فيه آية لنبوته من وجوه منها أن ذلك تصديق لقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ} الحجر،94 - 96. فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين، وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} البقرة،137. فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء الشاقين له من أهل الكتاب، وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة، 67. فهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبر، وفي هذا آيات عدة منها: أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة، ومنها أنه نصره مع كثرة أعدائه وقوتهم وغلبتهم، وأنه كان وحده جاهرًا بمعاداتهم، وسب آبائهم وشتم آلهتهم، وتسفيه أحلامهم والطعن في دينهم،

(1) المستدرك على الصحيحين2/ 342. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت