وهذا من الأمور الخارقة للعادة، والمستهزئون كانوا من أعظم سادات قريش وعظماء العرب، وكان أهل مكة أهل الحرم أعز الناس وأشرفهم يعظمهم جميع الأمم، أما العرب فكانوا يدينون لهم، وأما غيرهم من الأمم فكانوا يعظمونهم به، لا سيما من حين ما جرى لأهل الفيل ما جرى، كما كانت الأمم تعظم بني إسرائيل لما ظهر فيهم من الآيات ما ظهر). [1]
ولما خرج - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا إلى مكة وبحثت عنه قريش في كل جهة ولم يظفروا به، وقفوا على الغار الذي توارى فيه - صلى الله عليه وسلم - عن الأنظار، فقال له صاحبه: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه رآنا. قال ما ظنك باثنين الله ثالثهما! [2]
وكما أن الله حفظه وعصمه فقد خلقه خلقًا يستعصي على القدح، ذلك أن الله خلقه على خُلق عظيم كامل، وجَبَلَه على معالي الأمور ومحاسن الأخلاق، قال جل ثناؤه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم،4. ونشأه تنشئة يتعذر معها الطعن عليه في رسالته ذلك أنه أوجده في بيئة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولم يعلمه الكتابة والقراءة لئلا يرتاب المبطلون إذا رأوه يتلو عليهم آيات الله قال تعالى: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} العنكبوت، 48. قال ابن سعدي في تفسيره: (إِذًا لو كنتَ بهذه الحال {لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} فقالوا: تعلمه من الكتب السابقة، أو استنسخه منها، فأما وقد نزل على قلبك، كتابًا جليلًا تحديت به الفصحاء والبلغاء، الأعداء الألداء، أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، فعجزوا غاية العجز، بل ولا حدثتْهم أنفسهم بالمعارضة، لعلمهم ببلاغته وفصاحته، وأن كلام أحد من البشر، لا يبلغ أن يكون مجاريًا له أو على منواله) [3] .
(1) الجواب الصحيح4/ 161، و208 - 209. منه، وبين هذه الصفحات مباحث مهمة في هذا الباب؛ بل كل هذا الكتاب فريد في بابه. وانظر الإعلام بما في دين النصارى من الفساد342، وانظر الصارم المسلول2/ 316.
(2) صحيح البخاري4/ 1712، وصحيح مسلم 4/ 1854.
(3) تيسير الكريم الرحمن 633.