الصفحة 12 من 26

4.وأ رأيت قوله تعالى: { يايُّها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع .. } (1) ، والمقصود ترك كلُّ ما يلهي عن السعي إلى الجُمُعة ، وتخصيص البيع بالذكر لكونه أكثر المُلهيات لهم في حينه ، وإلاَّ فالواجب ترك كافَّة العقود ، وترك مشاهدة التلفزيون ، وترك الأعمال اليدوية .. الخ .

إذن .. [ تخصيص الشئ بالذكر لا ينفي ما عداه ] ، فذكر التفرق المستدل به على الاجتماع السابق له ، لا يعني أن العقود لا تنعقد إلاَّ بين من جمعهما مجلسٌ واحدٌ .

ويؤيد فهمنا السابق حول المجلس ، وكونه عارضٌ لا أصيل ، قول الجصاص رحمه الله (2) عن قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم .. } (3) .. قال في معرض بيانه أن خيار المجلس يسقط بالإنعقاد ، او التفرق بالألفاظ: [ قال أبو بكرٍ: قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم … يقتضي جواز الأكل بوقوع البيع عن تراضٍ قبل الافتراق ، إذ كانت التجارة هي الإيجاب والقبول في عقد البيع ، وليس التفرق والاجتماع من التجارة في شئٍ ، ولا يسمى ذلك تجارة في شرعٍ ولا لغة .. ] (4) .

قلت / فالأصل هو: [ التراضي ] كما ورد في ذلك التنزيل ، وهو قطعيٌّ في ثبوته ودلالته ، فلا يصلح حديث الآحاد لا لتخصيصه ولا لنسخه ، لأنه غير مساوٍ له ، فالمقارنة شرط التخصيص ، والتراخي شرط النسخ ، كلُّ ما في الأمر أثبت الحديث الشريف حقَّ الرجوع عن الإيجاب ، إذ لا يعد التراضي قائمًا به وحده ، لأن [ التراضي ] لفظ يدل على [ المفاعلة ] وهي تقتضي صدور الفعل من طرفين في الأقل ، وليس المطلوب غيره ، ولا محل لشدَّة تمسك الفقهاء بالإتِّحاد البدني ، فالمطلوب الإتِّحاد بين الإرادتين .

(1) الجمعة / 9 .

(2) هو: أبو بكر أحمد بن عليِّ الرازي الجصَّاص الحنفي [ ت سنة 370 هـ ] .

(3) النساء / 29 .

(4) أحكام القرآن للجصَّاص - 2 / 175 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت