أ رأيت .. قوله تعالى: { والوالدات يُرضعن أولادهنَّ حولين كاملين لمن أراد أن يُتمَّ الرضاعة وعلى المولود له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسٌ إلاَّ وُسْعها لا تُضَارَّ والدةٌ بولدها ولا مولودٌ له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جناح عليها .. } (1) .
ويؤيد كون التراضي من الطرفين أيضًا .. قول الآلوسي في تفسيره: [ .. والمراد بالتراضي: مراضاة المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال المبايعة وقت الإيجاب عندنا ] (2) .
ويؤيده أيضًا .. أن ذكر التراضي في الآيتين المنصرمتين ، أعقبهما قوله: [ منكم ] في إحداهما ، و [ منهما ] في الأخرى ، فدل على وجود الرضا من أكثر من واحد .
وفي كلِّ الأحوال لم يُقيد التراضي - الذي ورد مطلقًا في الآيتين - بأيِّ قيد ، ومعلومٌ من الأصول: أن المطلق لا يحمل على المقيَّد ، ويحمل استثناءً في حالة: اتِّحاد الحكم ، واتحاد السبب ، واتِّحاد الواقعة محل الحكم .
ويؤيده توََجُّه الحنفية في جعل التفرق بالألفاظ لا الأبدان ، أي إذا أعرضا عن التعاقد ، أو لم يطابق إيجاب الموجِب قبول القابل … والله تعالى أعلم ~
هذا وقد علم من الدين بالضرورة أن .. ديننا كاملٌ مستوعبٌ لأحكام كلِّ الحوادث (3) ، فالله - جلَّ وعلا - [ .. يريد ليبين لنا ما بنا الحاجة إلى معرفته ، والبيان من الله تعالى على وجهين: أحدهما - بالنص ، والآخر - بالدلالة ، ولا تخلو حادثة صغيرة ولا كبيرة إلا ولله فيها حكمٌ .. إما بنصٍ ، وإما بدليل ] (4)
(1) البقرة / 233 .
(2) روح المعاني - 5 / 16 .
(3) يقول تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } المائدة / 3 .
(4) المرجع السابق - 2 / 170 ، وتؤيد هذا الآيات الآتية - كما استشهد بها الجصاص -:
قوله تعالى: { .. يريد الله ليبين لكم .. } النساء / 26 .
قوله تعالى: { .. ثم إن علينا بيانه } القيامة / 19 .
قوله تعالى: { هذا بيان للناس .. } آل عمران / 138 .
قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتاب من شئٍ } الأنعام / 38 .