الصفحة 8 من 26

على أن ما اشترطه في النهر من: عدم الاشتغال بغيره ليكون المجلس متحدًا ، فيه حرجٌ عظيم ، وفيه دفع الناس للوقوع في المنهي عنه [ المُتَوَهَم ] ، إذ قد يساوم البائع أكثر من واحدٍ ، فينصرف عن هذا إلى ذاك ، فإذا قبل السابق فينبغي على مقتضى قولهم ألاَّ يصح العقد !! ، وهذا التحيُّن الشديد لإسقاط [ المجلس ] لا يكون إلاَّ في المشرَّع استثناءً .. كالشفعة ، حيث أحاطها الشارع الحكيم بشكليَّاتٍ لو تأخر أحدها سقط ذلك الحق ، في حين حقُّ البيع ليس استثناءً ، بل هو حقٌّ أصيل ، ويستفاد من كثيرٍ من النصوص المعروفة (1) .

لقد كان الأحناف - رحمهم الله - في الدقة الفقهية بالمكان المرموق المعروف ، بسبب الركون إلى الفهم دون الوقوف عند ظاهر النص الشرعي ، فإذا كان الأمر في النصوص الشرعية كذلك .. ففي الفقهية من بابٍ أولى ..:

1.أ رأيت .. قولهم بـ [ دلالة الاقتضاء ] في الأحاديث الشريفة: { لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب } ، و { لا نكاح إلاَّ بوليٍّ وشاهدي عدل } .

ومصداقه: أنَّ نفي الصلاة مع وجودها ولو من غير قراءة الفاتحة ، فهو مكابرة بسبب ما يُرى من الظاهر الواضح ، وإنكار الحديث مخاطرة .. نظرًا لثبوته ، فينبغي الخروج من التعارض بتقدير لفظٍ يستقيم به المعنى ، على أن يكون فيس أضيق نطاق ، لأن عندهم: [ لا عموم للمقتضى ] ، وذلك بسبب استثنائية الاقتضاء ، ومن منطلق عدم التوسع في الاستثناء ، فقالوا: المعنى لا صلاة فاضلة ، وعدم أفضليتها لا يعني بطلانها ، بل دنو الرتبة فقط ! .

(1) منها قوله تعالى: { .. وأحلَّ الله البيع وحرَّم الربا } البقرة / 275 ، وقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاَّ أن تكون تجارةً حاضرةً تُديرونها بينكم } النساء / 29 ، والتجارة أوسع من البيع ، فهي اسمٌ واقعٌ على عقود المعاوضات المقصود بها الأرباح .. فتأمل ! . [ راجع: أحكام القرآن للجصاص - 2 / 173 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت